عبدالباقي جبارة .. يكتب: “فزع الحروف”.. المتعافي وشهادة وفاة الأحياء 1_2 !
قبل حوالي عشر سنوات، وحينها كنت أعمل بإحدى الصحف الورقية، شرعت في إنجاز تحقيق صحفي حول سلوكيات الأطباء السودانيين داخل وطنهم، وخاصة في ما يتعلق بتعاملهم القاسي مع مرضاهم، إذ

قبل حوالي عشر سنوات، وحينها كنت أعمل بإحدى الصحف الورقية، شرعت في إنجاز تحقيق صحفي حول سلوكيات الأطباء السودانيين داخل وطنهم، وخاصة في ما يتعلق بتعاملهم القاسي مع مرضاهم، إذ إن معظمهم يتعامل بعنجهية وتعالٍ كبير. فعلمت بأن هنالك لائحة قانونية تحفظ حقوق المرضى وتُلزم الأطباء بتطبيقها، فأصبحت أتردد على وزارة العدل عندما كانت قبالة شارع النيل بالخرطوم، قبل أن تنتقل إلى مقرها الجديد لأطلع على هذه اللائحة أو انال نسخة منها .
وكنت كلما أصل إلى استقبال الوزارة أجد شابًا في الثلاثين من عمره، يبدو في هيئة جميلة، يدخل في جدل مع موظف الاستقبال ويخرج بوعد بأن أمره سيُقضى غدًا. ولأن النقاش حول موضوعه كان ملفتًا، بدأت أركز في أمره ونسيت موضوع اللائحة. وعندما تكرر المشهد أمامي مرتين أو ثلاثًا، سألت أحد الموظفين: ما هو موضوع هذا الشاب الذي يخرج منكم يوميًا بوعد، ثم تنخرطون بعد ذلك في موجة من الضحك والتهكم؟!
فقال لي أحدهم: هذا الشاب كان يدرس بإحدى الجامعات الروسية، وهو من الطلاب المميزين، ولكن ربنا ابتلاه بمرض نفسي، وهو الآن يتردد على الوزارة لطلب واحد؛ إذ يريد شهادة وفاة لنفسه تفيد بأنه متوفى. ونحن يوميًا نتخلص منه بعذر جديد؛ مرة نقول إن الشهادة قيد الطباعة، ومرة إن الشهادة ناقصة توقيع، وهكذا، وهو يعود من حيث أتى بكل هدوء.
تذكرت هذه الواقعة وأنا أتابع حملة لشباب الإسلاميين تدعو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تعيين المتعافي وزيرًا للمالية، وهم يتبارون في مدحه وإبراز مؤهلاته وخبرته وحنكته، وتقديمه في صورة الخبير المنقذ لهذه الحكومة المهترئة.
صراحة، لم أجد وصفًا لهؤلاء المدونين أو الكُتّاب الصحفيين إلا ذلك الشاب الذي يتردد على وزارة العدل طالبًا شهادة وفاة لنفسه وهو حي. وبالتأكيد فإن المتعافي استنفد أغراضه حتى قبل سقوط الإنقاذ.
وللتذكير، فهذه ليست الحملة الأولى التي تدعو إلى تعيين المتعافي وزيرًا للمالية. فقبل سقوط الإنقاذ بسنتين أو ثلاث تقريبًا، وبعد أن تدرج المتعافي من معتمد إلى والي ولاية الخرطوم ثم وزيرًا للزراعة، قبل أن تضعه الإنقاذ في “الكنب”، عرض عليّ أحد رجال الأعمال الترويج للمتعافي عبر الصحيفة التي كنت أعمل بها ليتم تعيينه وزيرًا للمالية، فاعتذرت له بأنني صحفي في هذه الجريدة، وليست مهمتي الدعاية والترويج.
وهذه ليست القضية، بل القضية الآن أن هذه الفكرة مرّت عليها عشر سنوات وما زالت مختمرة في رؤوس أصحابها، وهذا يؤكد أن التجار والسماسرة أكثر إلحاحًا في السعي لتحقيق أهدافهم. ولذلك أرادوا الآن أن يكرروا محاولتهم عبر جيل جديد، وأن يتعلموا “الحلاقة على رؤوس اليتامى” الذين ازدادت أعدادهم في السودان بشكل مخيف جراء هذه الحرب، ولذلك لا بأس لديهم من الاستثمار فيهم.
ولكنهم نسوا، أو تناسوا، أن ذاكرة التاريخ لن تنسى للمتعافي فشله وهو والي ولاية الخرطوم حين وعد مواطنيها بأن يجعل الفراخ أرخص وجبة، فتحولت فكرته إلى وسيلة لتحويل مؤسسات الدواجن القائمة إلى جيوب جشع معروفة، وأصبح الدجاج أعز من لبن الطير.
ثم قضى معظم فترته واليًا للخرطوم في صراع شركة كركر ومواقف الحافلات المعروفة، التي أطاحت بمعتمد الخرطوم مبارك الكودة من منصبه، ثم لحق به هو نفسه (مافيش كوز أفضل من كوز).
ثم كان وزيرًا للزراعة، وقضى معظم فترته في صراع قضية القطن المحور وقضية التقاوى عبر المعاشي خضر جبريل. وحتى بعد تركه وزارة الزراعة، ظلت تجاربه الفاشلة مع صغار المزارعين والاستيلاء على أراضيهم في مشاريع الإعاشة بالنيل الأبيض، أم جر وأبقر وشبشة وغيرها، ماثلة للعيان.
وغير ذلك من قضايا كثيرة مرتبطة بالمتعافي، الذي تراجع دوره في حكومة الإنقاذ حتى أصبح حليفًا تجاريًا لأكبر “همباتي” تائب ببادية كردفان، يمرر عبره عشرات التراكتورات الزراعية.
في الحلقة القادمة سأروي حكاية أطول حوار أجريته مع المتعافي داخل مكتبه، ورؤيته لحل الأزمة الاقتصادية، ولماذا كان يرفض إيقاف الحروب حينها رغم أنها كانت في أطراف البلاد.
انتظرونا بمشيئة الله.






