اعمدة

الجميل الفاضل .. يكتب : في زمنِ الزيف.. الصدقُ هو الفداء

في مواسمِ الأعياد، حين تتعالى تكبيراتُ السماءِ فوق تعبِ الأرض، ويغتسلُ القلبُ بنورِ الطاعة، يعود إلينا عيدُ الأضحى لا بوصفهِ طقساً عابراً، لكن كمرآةٍ كبرى يرى فيها الإنسانُ حقيقتَه عارية أمام الله.

 

 

 

في مواسمِ الأعياد، حين تتعالى تكبيراتُ السماءِ فوق تعبِ الأرض، ويغتسلُ القلبُ بنورِ الطاعة، يعود إلينا عيدُ الأضحى لا بوصفهِ طقساً عابراً، لكن كمرآةٍ كبرى يرى فيها الإنسانُ حقيقتَه عارية أمام الله.
إنه العيدُ الذي لم يُبنَ على الدم، لكن على الصدق؛ ولم يُشيَّد على الذبح، إنما على اليقين.
هناك، عند تخوم الامتحان الأعظم، وقف إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام، لا يحملُ سكيناً بقدر ما يحملُ قلباً بلغ من الصفاءِ حدَّ الامتثال المطلق.
ورأى إسماعيلُ الموتَ مقبلاً في صورة أمرٍ إلهي، بيد أنه لم يرتجف، ولم يساوم، ولم يهرب، لكن قال كلمتَه التي ما تزال تهزُّ ضميرَ البشرية حتى اليوم: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}.
يا لها من لحظةٍ لم تعرفِ الأرضُ لها شبيهاً؛ أبٌ يذبحُ هواه قبل أن يذبحَ ولدَه، وابنٌ يقدّمُ روحَه قرباناً للحقيقة، وسماءٌ تنظرُ إلى الصدق حين يبلغُ ذروتَه فيتحولُ إلى فداء.
ذلك المشهدُ لم يكن قصةَ تضحيةٍ فحسب، بل كان الإعلانَ الأبديَّ أن الصادقَ لا يُخذَل، وأن من صدقَ مع الله نجاه الله من النارِ الظاهرة والخفية معاً.
ومن رحمِ ذلك الصدق العظيم، جاء الكبشُ فداءً، ليظلَّ العيدُ إلى آخر الزمان تذكيراً بأن النجاة لا تأتي بالدهاء، بل بالنقاء.
وفي ظلِ هذه المعاني، يطلُّ علينا سؤالُ العصر كجرحٍ مفتوح:
كيف نعيشُ اليوم في عالمٍ امتلأ بالأقنعة حتى صار الوجهُ الحقيقيُّ أندر من لبن الطير؟
لقد أصبحنا نعيشُ زمناً تُقاسُ فيه القيمةُ بعددِ المشاهدات لا بعمقِ الحقيقة، زمناً صار فيه “التريند” أعلى صوتاً من الضمير، والصورةُ أصدقَ عند الناس من الواقع، والتأثيرُ أهمَّ من الجوهر.
تحت هذا الركام الهائل من الزيف، يعود النداءُ القديمُ جديداً كالوحي:
“كن صادقاً”.
فالصدقُ ليس خُلُقاً إضافياً زائداً يمكن الاستغناء عنه، أو رميه كالقمامة في سلة المهملات.
علي أية حال، إن الصدق هو العمودُ الذي إذا انكسر، سقط معه الإنسانُ وإن بدا واقفاً.
ومن يفقدُ صدقَه، يفقدُ نفسَه رويداً رويدا، حتى يتحولَ إلى شبحٍ يتقنُ تمثيلَ الحياة دون أن يعيشها حقاً.
ولذلك كان النبيُّ ﷺ يُعرفُ قبل بعثته بـ “الصادق الأمين”، لأن الرسالاتِ العظمى لا تسكنُ بطبعها في قلوبَ كاذبة.
وكان أبو بكرٍ هو “الصديق” لأنه لم يجعلْ عقلَه سجناً للحقيقة، لكن جسراً إليها.
وفي المقابل، ظلَّ التاريخُ يقدّم لنا نماذجَ مرعبةً لما يمكن أن يفعله “العمقُ الكاذب” حين يرتدي ثيابَ الحكمة، نماذج ليس أولها تجربة حكم الإخوان المسلمين في السودان.
فكم من خطيبٍ سبقهم كان قد زخرفَ الباطلَ أيضًا حتى بدا كأنه نور، وكم من مدّعٍ استعانَ بالخطاب الديني ليُخفيَ شهوته للسلطة، وكم من كاذبٍ غيرهم أشعلَ، النيران بسجعٍ منمّقٍ وبلاغةٍ فاتنة، قبل أن يلقن كل ببغاء شعر الحرب.
لقد خدعَ مسيلمةُ الآلافَ لا لأنه كان صادقاً، بل لأنه عرف كيف يقلّدُ نبرةَ السماء.
ورفعت دولٌ وسلالاتٌ عبر التاريخ شعاراتِ “الحق الإلهي”، وفكرة ”الخلاص”، و”العدالة المقدسة”، بينما كانت تخفي خلفَ الستارِ أنهاراً من الدم.
وهنا تكمنُ خطورةُ الكذبِ العميق:
إنه لا يخدعُ العيونَ فقط، لكنه يخدعُ الأرواح أيضاً.
إنه الكذبُ حين يتعطّرُ بالبخور، ويلبسُ عباءةَ الحكمة، ويتحدثُ بلسانِ الأنبياء.
وقد يهربُ الإنسانُ من الصدق،
لأن الصدقَ مرآة، والمرآةُ لا تُجامل.
إذ أن الصدق يطالبُنا أن نعترفَ بأخطائنا، وأن ننظرَ إلى هشاشتنا دون تزويق، وأن نقولَ الحقيقةَ حتى حين تُكلّفنا خسائرَ مؤلمة.
غير أن الكذب —مهما تلألأ علي ألسن جنرالات الإخوان — يبقى بناءً هشّاً، قصراً من دخان، سرعانَ ما تفضحهُ أولُ ريح.
أما الصادق، فإنه وإن خسرَ العالمَ أحياناً، فهو يربحُ نفسَه دائماً.
وبالطبع فالإنسانُ الذي يملكُ نفسَه لا تهزمهُ الأكاذيب.
أما اليوم، في عصرِ الـ Deepfake، والتزييفِ العميق، والسردياتِ المصنوعة، لم يعد الصدقُ فضيلةً عادية، لكنه قد صار بطولةً روحية كاملة.
فالذي يقولُ الحقيقةَ وسطَ الجموعِ المصفقةِ للكذب، يشبهُ ناسكاً يحملُ شمعةً صغيرة في آخرِ الليل، لكنها مع صغرها من شأنها أن تُربكُ العتمة.
لذلك، فإن دعوةَ “كن صادقاً” ليست نصيحةً أخلاقيةً باردة، بل ثورةٌ كاملة ضد ثقافةِ الأقنعة.
أن تكونَ صادقاً مع نفسك، صادقاً في كلامك، صادقاً في وعدك، صادقاً في عملك، صادقاً حتى في اعتذارك…
فهذا يعني أنك اخترتَ أن تعيشَ حرّاً.
لكن احذروا العمقَ الكاذب؛ فليس كلُّ كلامٍ مهيبٍ حقيقة، ولا كلُّ دمعةٍ صدقاً، ولا كلُّ من تحدثَ عن النورِ كان مضيئاً.
فالإنسانُ الكاذبُ يظلُّ علي الدوام أسيراً لكذبته، مهما ارتدى من أثوابِ البريق.
أما الصادق، فإنه يمشي خفيفاً كأنه لا يحملُ على ظهره شيئاً سوى قلبه.
وفي النهاية، لن يتذكرَ الناسُ كم ربحتَ، ولا كم ظهرتَ، ولا كم صفّقوا لك، سيبقى سؤالٌ واحدٌ فقط معلقاً في ذاكرةِ الزمن:
هل كنتَ صادقاً… أم كنتَ مجردَ صدىً آخرَ في سوقِ هذا الزيف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى