اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. أكتب عن يوسف أيها “الجميل” له وراء كل حرف فضيلة !

مع إيماننا التام بقضاء الله وقدره، وأن كل ابن آدم، وإن طالت عمامته، يوماً على آلة حدباء محمول، والموت سبيل الأولين والآخرين، لكننا

 

 

 

مع إيماننا التام بقضاء الله وقدره، وأن كل ابن آدم، وإن طالت عمامته، يوماً على آلة حدباء محمول، والموت سبيل الأولين والآخرين، لكننا نعبر دائماً عن ضعفنا وقلة حيلتنا، ولذلك ألجمتنا فاجعة رحيل واحد من أنبل الذين عرفناهم في الوسط الصحفي؛ رجل كالنسمة، إنسان يسري فيك كما تسري العافية في الجسد، وكلما تعمقت معرفتك به زادك منعة ورفعة، ويفرد لك أجنحة الأمل بأفكارك. كل ما اقتربت منه ، هو يوسف، الاسم الذي ارتبط بالجمال واحتمال الأذى والعفو عند المقدرة، وكان له من اسمه نصيب.
كنت محظوظاً بأن عملنا معا في الغراء صحيفة الوطن لحوالي العامين، وأهمها فترة التحولات الكبيرة في السودان نهاية العام 2018 ومطلع 2019م واندلاع الثورة. عاصرت فيها بزوغ نجم يوسف كمحلل سياسي في القنوات العالمية، تزامناً مع تسنمه رئاسة تحرير الوطن. توليت معه موقع مدير التحرير عقب مغادرة الزميل عبدالوهاب موسى، وكنا نمارس العصف الذهني قبيل كل مداخلة تلفزيونية ليوسف ثم التقييم، و أصبح التواصل بيننا لا ينقطع طوال الوقت، حتى بعد مغادرة مقر الصحيفة.
فذات يوم، وبعد أن قفلنا كل الصفحات قبيل منتصف الليل، تركت يوسف خلفي لوضع اللمسات الأخيرة للمانشيتات والصفحة الأولى، وبعد أن وصلت المنزل اتصلت في هاتفه لكي أطمئن عليه: هل وجد وسيلة تقله إلى الثورة بأم درمان؟ وسرحنا في المكالمة نتحدث عن توقعات مواكب اليوم التالي وردة فعل النظام الحاكم، فإذا بي فجأة أسمع “ملاواة” في الموبايل وجلبة مع يوسف والخط مفتوح، وأنا أردد: يوسف! إيه الحاصل؟ إيه الحاصل؟ ولم أجد رداً، وانقطع الخط، فأصابني القلق وخشيت عليه من مكروه أو إصابة. وبعد حوالي نصف ساعة أبلغني بأن عناصر الأجهزة الأمنية المتواجدين أمام المجلس الوطني بأم درمان قبضوا عليه عندما مر أمامهم، وقال إنه أقنعهم بأنه صحفي وقادم من مقر الصحيفة، فأطلقوا سراحه. وهذا المكان في الغالب يتم منه إرجاع مواكب أم درمان التي تحاول عبور جسر النيل الأبيض نحو الخرطوم، فأصبح شديد الحساسية الأمنية بالليل والنهار .
الموقف الثاني، بعد إطلاق سراح الأستاذ الراحل المحامي كمال الجزولي، طلبت إجراء حوار معه، فوافق، ولكنه اشترط أن ينزل حواره كما هو دون نقصان، إلا فيما يتعلق بالصياغة. وتكلمت مع يوسف وقلت له: تعرف أنت الأستاذ كمال لا يتراجع عن شروطه، فال لي اعمل الحوار وسأنشره كما هو. وبالفعل كان حواراً مطولاً بمنزله بشمبات، كان من جزأين، كل جزء صفحة. وعندما تم نشر الجزء الأول، تم استدعاء يوسف لمقر جهاز الأمن، وتم التحقيق معه، وطلبوا منه حذف المحاور الحساسة التي تمس النظام في الحوار، وتمسك يوسف بنشر الحوار كاملاً في لحظة شجاعة نادرة، وفي لحظة هياج الأجهزة الأمنية.
والموقف الذي لم يعرفه كثيرون، أن يوسف كان له سهم كبير في الوصول إلى بوابة القيادة العامة يوم 6 أبريل. فمنذ اندلاع المواكب ظللنا نصل مقر الصحيفة في أي يوم يُعلن فيه عن موكب قبل الساعة الواحدة (ساعة الثورة)، أحياناً نخرج في المواكب وأحياناً نتابع عبر الوسائط، ولا نمل من التحليل والتقييم ورصد المواقف.
حتى حان يوم السبت 6 أبريل، يومها وصلنا الساعة التاسعة صباحاً إلى مقر الجريدة، وقلت ليوسف: خليك موجود، وسأتحرك ميدانياً أقرأ المشهد وأرجع. وتحركت بشارع البلدية ثم المك نمر حتى وصلت موقف شروني، ورجعت راجلاً بشارع القصر، حيث كانت الحركة ضئيلة جداً، وسيارات الأجهزة الأمنية ترتكز في كل شارع أو مدخل يؤدي إلى القيادة العامة، وبعضها يجوب الشوارع، ويتم القبض على أي اثنين يتحركان مع بعض، خاصة الشباب، ولا تمييز بين شاب أو شابة، لدرجة أن الأجهزة الأمنية نصبت خياماً في ميدان أبو جنزير، ولمحت أعداداً كبيرة من المعتقلات والمعتقلين. وكنت أمشي بمحاذاة الحائط حتى دخلت شارع البنك الفرنسي، ووصلت مقر الجريدة، فوجدت يوسف منتظراً الأخبار، وقلت له: أنا محبط جداً، “كديسة” أي قط لا يستطيع الوصول إلى القيادة، والمظهر العام في الشارع الخرطوم تحولت لثكنة عسكرية أي وجود الأجهزة الأمنية ومركباتهم في هذا اليوم أكثر من المواطنين.
ثم انتظرنا ساعة الثورة ونراقب في “الفيس”، فإذا بزغرودة تنطلق من استاد الخرطوم، ثم بدأت تظهر المواكب في مناطق متفرقة، فخرجنا رفقة يوسف، وكنت أحمل علم السودان بشارع الزبير باشا الذي تتقابل فيه صحيفتا الصيحة والتيار. وعندما وصلنا شارع المك نمر، تراءى لنا موكب الخرطوم 2 في تقاطع السكة حديد جوار مستشفى الخرطوم. فكرنا أن ننضم له، لكننا انتبهنا إلى أن كبري المك نمر ما زال مفتوحاً والسيارات تتدفق من الشمال إلى الجنوب، وهذا يشكل خطراً على موكب الخرطوم 2، فاتفقنا أنا ويوسف أن نبتدر موكباً من نقطتنا المتواجدين فيها حتى يتم إغلاق الكبري ونكون قد قمنا بتأمين موكب الخرطوم 2.
وقد كان، ففي أقل من ثلاث دقائق أصبحنا عشرات، أُغلق الشارع وتحرك موكبنا الصغير، والتحم مع موكب الخرطوم 2 في تقاطع شارع البلدية مع المك نمر، لأن تقاطع شارع السيد عبدالرحمن، حيث المنطقة العسكرية، كان يشكل خطراً. وأذكر قبل التحرك ظهر بعض أفراد الأمن وطلبوا أن نصعد أحد السيارات المتوقفة بالعلم ونهتف، فشككنا في أمرهم، كما اتفق معي يوسف بأنهم يريدون تحديد أهداف لاصطيادها.
فكانت الملحمة التاريخية أمام بوابة القيادة العامة، ونقطة انطلاق اعتصام القيادة العامة. والشخص الوحيد الذي وثق موقفنا مع يوسف في شارع المك نمر هو الزميل النذير دفع الله، الذي كان متواجداً أعلى سطح مبنى صحيفة الصيحة، وحتى قبل الحرب كان محتفظاً بهذا الفيديو، وأتمنى أن يظل موجوداً.
تذكرت هذه المواقف وأنا أستمع إلى الأخ غير الشقيق للراحل يوسف سراج، أستاذنا الجميل الفاضل، وهو يقف يتحدث في تأبين حبيبنا الراحل يوسف أمس الأول بكمبالا، الذي أقامته نقابة الصحفيين السودانيين . وقف الجميل وكأنه روح بلا جسد، ونحن نعلم بأننا مهما بلغ منا الأسى لفراق يوسف لا يضاهي حزن الجميل وأسى الجميل، لكن عزاءنا بأنه له من اليقين والإيمان ما يحصنه من الانزلاق النفسي بسبب هذه الكارثة التي ألمت بنا وبه.
لكنه لم يقوَ على الحديث عن يوسف، سمح الخصال، يوسف الأخ الودود والصديق الوفي، فتهرب الجميل ليكتب مناقب ثورة 19 ديسمبر، لكنه وجد يوسف فيها؛ بأن يوسف كان له سهم كبير فيها ، وستظل تلاحقه مناقب يوسف ومواقف يوسف المشرفة ، في موضوع يتناوله الجميل وسيجد يوسف له في كل حرف فضيلة ويجد فيه ريح يوسف.
فاكتب يا صديقي عن يوسف، وتحدث عن يوسف، ونحن لا نمل سماع سيرته، ومعينك لن ينضب من إرث المكارم التي تركها. ونعلم أن الحمل عليك ثقيل، والحزن دفين، لكنه قدرك حمل الوجع وسلك دروب أشد الناس بلاء.
نسأل الله له القبول والغفران، وأن يدخله وزوجه أعلى الجنان، ويبارك في ذريته، ولا يحرمنا أجره، ويلزمنا وإياكم الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى