اعمدة

الدكتور رائد ناجي‎ ..يكتب : حين تتحول السياسة إلى “شماعات جاهزة”… تفكيك خطاب تحميل الأحزاب مسؤولية الخراب

في كثير من الخطابات السياسية والدعوية داخل بعض التيارات، يلاحظ نمط تفسيري متكرر، يقوم على نسبة ما يحدث في المنطقة العربية من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية إلى “أحزاب معينة” أو

 

 

 

في كثير من الخطابات السياسية والدعوية داخل بعض التيارات، يلاحظ نمط تفسيري متكرر، يقوم على نسبة ما يحدث في المنطقة العربية من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية إلى “أحزاب معينة” أو “خصوم داخليين” بشكل مباشر، وكأن هذه الأحزاب تعمل في فراغ تاريخي، منفصلة عن بنية الدولة، وعن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية التي تحكم الفعل السياسي في العالم المعاصر.

إن الإشكال هنا لا يكمن في ممارسة النقد السياسي للأحزاب، فذلك جزء طبيعي من أي حياة عامة، بل في تحويل هذا النقد إلى نموذج تفسيري شامل يُستخدم كأداة جاهزة لتفسير كل مظاهر الانهيار، دون العودة إلى الجذور البنيوية للأزمة، أو تحليل تداخل العوامل الخارجية والداخلية في صناعة الواقع.

فحين يُقال إن “الدمار في المنطقة سببه أحزاب معينة”، فإننا أمام اختزال شديد للواقع، يُخرج السياسة من سياقها التاريخي المعقد، ويحوّلها إلى معركة اتهام أخلاقي، لا إلى تحليل موضوعي لمسار تشكّل الدولة الحديثة في العالم العربي.

إن الدولة العربية الحديثة لم تتشكل في فراغ، بل وُلدت داخل سياقات استعمارية، ثم أعيد تشكيلها ضمن نظام دولي غير متكافئ، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية، والتوازنات الجيوسياسية، وشروط التمويل الدولي، وضغوط المؤسسات الكبرى. وبالتالي فإن أي تفكيك للأزمة لا يمكن أن يتجاهل هذا الإطار الواسع، ويكتفي بإسقاط كل النتائج على فاعل داخلي واحد.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً إنكار أن الأحزاب السياسية، سواء في السلطة أو المعارضة، تتحمل جزءاً من المسؤولية في تعقيد المشهد، من خلال سوء التقدير، أو الصراع على السلطة، أو توظيف الخطاب الأيديولوجي بطريقة تُعمّق الانقسام المجتمعي. غير أن هذا الجزء، مهما كان كبيراً، يظل جزءاً من منظومة أوسع، وليس تفسيراً كاملاً لها.

وهنا يظهر جوهر المشكلة المنهجية: الانتقال من التحليل المركب إلى التفسير الأحادي. فبدلاً من قراءة الأزمة بوصفها نتاج تفاعل بين الداخل والخارج، بين التاريخ والراهن، بين الاقتصاد والسياسة، يتم اختزالها في “فاعل شرير” واحد، يُحمَّل كل الأعباء، وتُبنى حوله سردية كاملة تريح الذهن من عناء التعقيد.

إن هذا النوع من الخطاب لا يُنتج فهماً، بل يُنتج راحة تفسيرية مؤقتة. فهو يمنح المتلقي جواباً سريعاً، لكنه يحجبه عن رؤية الصورة الكاملة. وفي هذا السياق، تتحول السياسة إلى سرديات جاهزة: هذا الحزب سبب الخراب، وذاك التيار سبب الفوضى، بينما تُترك الأسئلة الأعمق بلا مساءلة.

ومن جهة أخرى، فإن تجاهل الفاعل الخارجي في تحليل الأزمات يُعد أيضاً خللاً منهجياً موازياً. فالعلاقات الدولية اليوم ليست علاقات دول منفصلة، بل شبكة مصالح معقدة، تتحرك فيها رؤوس الأموال، وتتشكل عبرها السياسات، وتُفرض من خلالها الشروط الاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في استقرار الدول أو اضطرابها.

لكن الخطاب التفكيكي الحقيقي لا يستبدل “شماعة الداخل” بـ“شماعة الخارج”، بل يرفض الاثنين معاً بوصفهما اختزالاً. فالمسؤولية التاريخية لا تُوزع بهذه الطريقة الثنائية، بل تُفهم من خلال تحليل طبقات متعددة من الفعل: طبقة الدولة، طبقة الأحزاب، طبقة المجتمع، وطبقة النظام الدولي.

إن أخطر ما في التفسير الأحادي أنه يعيد إنتاج نفسه داخل الوعي الجمعي، فيحوّل السياسة إلى دائرة مغلقة من الاتهام المتبادل، ويمنع تشكّل وعي نقدي قادر على مساءلة البنى العميقة، لا مجرد الأشخاص أو الأحزاب. وهكذا تتحول الأزمة من قضية بنية إلى قضية “أطراف”، ومن مشكلة نظام إلى مشكلة “أعداء”.

وفي النهاية، فإن تفكيك هذا الخطاب لا يعني تبرئة أحد، بل يعني رفض تبسيط الواقع. فالأحزاب ليست ملائكة، ولا هي شياطين مطلقة، بل هي جزء من منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتحرك داخل حدود ممكنات تاريخية محددة.

وعليه، فإن تجاوز هذا النوع من السرديات يتطلب انتقالاً من منطق الاتهام إلى منطق الفهم، ومن البحث عن المسؤول الوحيد إلى تحليل شبكة المسؤوليات المتداخلة. فالدول لا تسقط بسبب طرف واحد، كما أنها لا تنهض بإزالة طرف واحد، بل عبر فهم عميق لبنية الواقع، وإعادة بناء العلاقة بين الفاعلين داخل هذه البنية بطريقة أكثر وعياً وتوازناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى