الدكتور . رائد ناجي .. يكتب .. حين يلتقي النقيضان: لماذا يتقاطع الطرح العلماني مع التيار المدخلي؟
قد يبدو السؤال لأول وهلة متناقضًا؛ فكيف يمكن لتيارٍ يرفع راية “المرجعية الدينية” أن يلتقي – ولو ضمنيًا – مع طرحٍ يقوم على إبعاد الدين عن المجال العام؟ وكيف يمكن للعلماني، الذي يرى الدين شأنًا

قد يبدو السؤال لأول وهلة متناقضًا؛ فكيف يمكن لتيارٍ يرفع راية “المرجعية الدينية” أن يلتقي – ولو ضمنيًا – مع طرحٍ يقوم على إبعاد الدين عن المجال العام؟ وكيف يمكن للعلماني، الذي يرى الدين شأنًا فرديًا، أن يجد مساحة توافق مع خطابٍ يملأ الدنيا حديثًا عن العقيدة والطاعة والمنهج؟
لكن التأمل العميق في البنية الفكرية لكلا الطرفين يكشف أن التناقض الظاهري لا يمنع وجود تقاطعاتٍ وظيفية عميقة، وأن الخصومة المعلنة أحيانًا تخفي اتفاقًا ضمنيًا حول قضايا جوهرية تتعلق بالإنسان، والسلطة، والمجتمع، ودور الدين في الحياة.
إنَّ أول نقطة التقاء بين الطرح العلماني وبعض التيارات المدخلية تكمن في الموقف من “الحركة الإسلامية الواعية”. فكلاهما ينظر بريبة إلى أي مشروعٍ يسعى إلى تحويل الدين من مجرد طقوس فردية إلى قوة حضارية أو وعي اجتماعي أو مشروع إصلاحي شامل. العلماني يخشى ذلك لأنه يرى في الدين منافسًا للمرجعية المدنية، والمدخلي يخشاه لأنه يعتبر أي حراكٍ جماهيري بابًا للفتنة والخروج والاضطراب.
وهكذا، رغم اختلاف المنطلقات، يلتقي الطرفان عند النتيجة نفسها: تحييد الدين عن المجال التغييري، وحصره في دائرة الوعظ الفردي والطاعة السلبية.
العلماني يريد دينًا منزوع التأثير السياسي والاجتماعي، والمدخلي – في كثيرٍ من تطبيقاته – يُنتج النتيجة ذاتها حين يُفرغ التدين من أي بعدٍ حضاري أو مقاوم أو إصلاحي، ويختزل الدين في مسائل الطاعة، والتحذير من الجماعات، والانشغال بتصنيف المخالفين.
ومن هنا نفهم كيف يمكن لخطابين متعارضين ظاهريًا أن يخدما البنية نفسها؛ فالعلماني يطلب “إبعاد الدين عن الحياة”، والمدخلي يطلب – عمليًا – “إبعاد الحياة عن الدين”، أي تحويل الدين إلى طقوسٍ معزولة لا تمتلك قدرة الفعل التاريخي.
النقطة الثانية تتعلق بمفهوم السلطة. فالطرح العلماني السلطوي يرى أن الاستقرار السياسي مقدَّم على أي حراكٍ شعبي أو احتجاجٍ مجتمعي، حتى لو كان الواقع مليئًا بالظلم والفساد. والمدخلي، في صورته المتشددة، يُقدِّس فكرة الطاعة إلى حدِّ تجريم أي معارضة، ولو كانت سلمية أو فكرية أو إصلاحية.
وهنا يلتقي الطرفان مرة أخرى عند إنتاج “الإنسان المطيع”، لا الإنسان الحر الواعي. إنسانٌ يخاف من السؤال، ويتوجس من التغيير، ويرى الصمت فضيلة مطلقة مهما بلغت الاختلالات.
إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتحول الاستقرار إلى صنمٍ يُعبد، حتى ولو كان ثمنه تعطيل العدالة والكرامة والوعي. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على إسكات الناس، بل على بناء عقدٍ أخلاقي يحقق التوازن بين الأمن والحرية، وبين النظام والكرامة الإنسانية.
ومن أوجه الالتقاء أيضًا العداء المشترك لفكرة “الوعي النقدي”. فالتيارات العلمانية المتطرفة تخشى الخطاب الديني الواعي لأنه يكشف فراغها القيمي، والتيارات المدخلية تخشى العقل النقدي لأنه يهدد البنية المغلقة التي تقوم على التلقي والطاعة. ولذلك كثيرًا ما يُتهم المفكر الحر عند الطرفين بأنه “مثير فتنة”، أو “مشوش”، أو “خطر على المجتمع”.
إنهما يختلفان في المرجعية، لكنهما يتفقان أحيانًا في الموقف من العقل الحر.
كما أن كلا الخطابين يُنتج نوعًا من الإنسان المنفصل عن قضايا الأمة الكبرى. ففي الطرح العلماني المتشدد تُختزل الهوية في حدود الدولة الحديثة ومصالحها الضيقة، بينما يُختزل التدين المدخلي في النجاة الفردية والسلامة الشخصية، بعيدًا عن أي شعورٍ حضاري شامل أو مسؤولية تاريخية تجاه قضايا العدالة والتحرر والكرامة.
وهكذا يصبح الإنسان إما مستهلكًا سياسيًا، أو متعبدًا منعزلًا، وفي الحالتين يغيب “الإنسان الرسالي” الذي يحمل همَّ الإصلاح والبناء.
إنَّ أخطر ما في هذا التقاطع أنه لا يحدث دائمًا عبر التنسيق المباشر، بل عبر تشابه الوظيفة. فبعض الأفكار، مهما اختلفت لغتها، قد تؤدي الدور نفسه في إضعاف المجتمع وتفكيك إرادته. وحين يتحول الدين إلى أداةٍ لتخدير الوعي بدل إيقاظه، يصبح قريبًا – من حيث لا يشعر أصحابه – من المشاريع التي أرادت منذ البداية تحييد الدين عن حركة التاريخ.
لكن من الظلم أيضًا اختزال كل المنتسبين إلى هذه التيارات في صورة واحدة؛ فداخل كل تيارٍ أفرادٌ متفاوتون في الفهم والوعي والنية. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في “البنية الفكرية” حين تُغلق أبواب الاجتهاد، وتُصادر حق الإنسان في التفكير الحر، وتُحوِّل الطاعة إلى قيمةٍ أعلى من الحقيقة نفسها.
لقد جاء الإسلام ليصنع إنسانًا حرًا من الخوف إلا من الله، لا إنسانًا يعيش مذعورًا من السؤال. وجاء ليُقيم العدل، لا ليُبرر العجز. وجاء ليبني أمةً شاهدة على العالم، لا جماعاتٍ منشغلة فقط بتعداد المخالفين.
ولذلك فإن أي خطابٍ ديني يفقد حسَّه الحضاري، ويتحول إلى مجرد جهاز تحذيرٍ دائم، ينتهي – ولو دون قصد – إلى خدمة المشاريع التي تريد أمةً بلا روح، ومجتمعًا بلا وعي، ودينًا بلا أثر.
إنَّ المعركة الحقيقية اليوم ليست بين “المتدين” و”العلماني” بالمعنى السطحي، بل بين مشروعٍ يُريد للإنسان أن يكون حرًا وواعيًا ومسؤولًا، ومشروعٍ آخر يُريده تابعًا، خائفًا، مستهلكًا للخطابات الجاهزة.
وحين نفهم هذه الحقيقة، سندرك أن أخطر التحالفات ليست تلك التي تُعلن نفسها في المؤتمرات، بل تلك التي تتشكل بصمت داخل البنى الفكرية، حيث يلتقي المتناقضون على صناعة الإنسان المفرغ من إرادته، وإن اختلفت الشعارات والأسماء.






