الجميل الفاضل .. يكتب. : الحركة الإسلامية إلى أين؟
أتصور أن هذه الحركة ستراوح مكانها لبعض وقت قادم، بين عقابيل تمكينٍها الظالم بلا عدلٍ، ومتاهات توحشٍها القاتل بلا أفق، لكنها ستموتُ فقط، حين تقومُ علي أنقاض دولتها الآفلة، دولةٌ للقانون، والمواطنة،

أتصور أن هذه الحركة ستراوح مكانها لبعض وقت قادم، بين عقابيل تمكينٍها الظالم بلا عدلٍ، ومتاهات توحشٍها القاتل بلا أفق، لكنها ستموتُ فقط، حين تقومُ علي أنقاض دولتها الآفلة، دولةٌ للقانون، والمواطنة، والمؤسسات، ورغم موتها كدولة أو اقتلاعها كحركة، ستبقى هي سطراً داكناً في كتاب التاريخ، يُقرأ هنا للاعتبار فقط لا للاستعادة، كما كان يمني شيخها الراحل نفسه بترقيع “منظومة خالفة” من بقاياها، تعوض فشل سابقتها التالفة التي جرتنا بطمعها وغرورها الي هذه الحرب.
علي أية حال، هي بالطبع حركة قد ألبسوها لعقود من هيبة الدولة ما يشبه التاج، ومنحوا شرايينها مفاتيح الخزائن، وأسكنوها قصور السلطان، حتى خُيّل لها أن التاريخ قد بايعها، وأن السنن التي تأكل الممالك إذا ظلمت، ستتجاوزها هذه المرة وتغض الطرف عنها.
لكن سُنّة الله في العمران لا تنام.
فمن وراء غبار السنين، ومن شرفات بعيدة، يطلّ صوت حكمة قديمة ليهمس في أذن الأزمنة:
إن كل تمكينٍ لا يسنده العدل، هو مجرد سقوطٍ مؤجل.
وكل سلطةٍ لا تحرسها الرحمة، ليست سوى قبرٍ يتهيأ ليعتصر أضلاع سدنتها.
أما اليوم، فإن كل سادن منهم سيقف عند مفترق هذه الطريق.
يقف وحيداً، حاسر الرأس، بعد أن انفضّ عنه وهج السلطان، لتتجاذبه رؤيتان:رؤية الأمس التي كانت ترى نفسها وارثةً للدولة، ورؤية الواقع الذي يدفعها دفعاً نحو هوامش الفوضى وعتمات التوحش.
بعد أن انطفأ بالفعل سراج التمكين.
ذلك السراج الذي ظل ثلاثين عاماً يقتات من زيت الدولة، ويستمد نوره من مؤسساتها وخزائنها ومواردها.
ثم سقط الهيكل، وتناثرت حجارة البيروقراطية التي كانت تضخ في عروق هذه الحركة شرعيةً مستعارة، تمنحها القدرة على التنفس من رئة الدولة، وللتغذي من شرايينها.
فإذا بالذين عاشوا دهراً داخل فقاعة سلطتها، يخرجون الآن فجأة إلى فضاءٍ لا يعرفونه ولا يعرفهم.
وكأنما انقطع الحبل السرّي بينهم وبين تلك الدولة مصدر نفوذهم وجاههم وثرائهم.
وكأن الأكسجين الذي اعتادوا استنشاقه قد تبدد في الريح.
فيما لم يعد العالم ينظر إليهم بوصفهم سلطةً قائمة يمكن التفاوض معها، إنما بوصفهم إرثاً ثقيلاً من صراعات الماضي، وعنواناً مفتوحاً على خرائط الاشتباه والعزلة.
ومن هنا بدأت هذه التحولات الكبرى.
فحين تُغلق أبواب القصور، وتُطفأ مصابيح النفوذ، تستيقظ في أعماق مثل هذه الجماعات غريزة البقاء الأولى، ليتراجع السياسي، ويتقدم المحارب.
يصمت “الأفندي” الذي كان يرتب الكلمات خلف المكاتب الوثيرة، ويعلو صوت “أمير الحرب” الخارج من ركام المعارك، حاملاً رايات الجهاد، مبشراً بنوع خلاصٍ لا يرى في الوطن سوى ساحة حربٍ مفتوحة.
إنها لحظة الهجرة الكبرى من السياسة إلى الفوضى التي تعيشها الآن الحركة الإسلامية، لحظة ستمضي بها من إدارة الدولة إلى إدارة الخراب.
ومن سؤال: كيف نبني؟إلى سؤال: كيف نبقى ولو فوق الجماجم والأنقاض؟
الي حيث لا تنمو أشجار التنمية.
ولا تُفتح نوافذ المدارس على أضواء المستقبل.
ولا تتدفق في الممرات رائحة المشافي وطمأنينة الحياة.
كي يسود منطق القلعة المحاصرة، التي يُدار فيها الخوف كأنه مورد اقتصادي.
وتُجبى الحياة كما تُجبى الضرائب.
وتُصنع الكراهية باعتبارها آخر ما تبقى من وقود.
قبل أن يأتي الارتماء على عتبات المحاور الإقليمية والدولية، استجداءً للسلاح، واستعارةً للقوة.
واعتقاداً بأن الطائرات المسيّرة قادرة على ترميم ما هدمته أخطاء قادة الحركة الفادحة.
فالأمم التي تستعير مصائرها من الآخرين، كثيراً ما تستيقظ لتجد نفسها مجرد ساحةٍ لحروب الوكلاء، ومقبرةٍ مفتوحة للأحلام والهويات.
ومن علياء هذا المشهد، حيث تخفت ضوضاء الشعارات وتتكشف حقائق الأشياء، تبدو الحركة الإسلامية السودانية كقطارٍ أفلت من قضبان التاريخ.
يواصل اندفاعه لا نحو محطة جديدة، لكن نحو جدار الحقيقة.
الذي حين يقترب الارتطام به، تبدأ التشققات في جسد هذا التنظيم.
ليتشظى كيانه إلى ثلاثة أقدار:
قدرٌ يختار التوحش طريقاً ونهجاً، ويستقر في كهوف السرية والعنف، مقتاتاً على المظلومية والدمار، حتى يتحول إلى نسخة أخرى من جماعاتٍ لا تزدهر إلا في المقابر.
وقدرٌ براغماتي يحاول النجاة من الحريق، فيبدّل الرايات والأسماء واللافتات، أملاً في العبور إلى الضفة الأخرى دون مساءلةٍ أو اعتراف.
وقدرٌ ثالث، وهو الأكثر إيلاماً، يتمثل في القواعد التي ستصحو ذات يوم على فداحة الخديعة، لتكتشف أن المشروع الذي وعدها بالفردوس، لم يورث البلاد إلا التمزق، ولم يورث أبناءه سوي هذا التيه.
ومع ذلك، فإن نهاية مثل هذه التنظيمات ليست في إعدام الأجساد، ولا في مطاردة الأشباح.
إذ هي نهايات لا تصنعها البنادق.
إنما تصنعها أوطانٌ ناهضة تتسع للجميع.
يصبح القانون فيها أعلى من الولاءات.
يُحاسب فيها المجرم بجرمه، لا باسمه.
عموما حين يدخل إلى رئة السودان هواءٌ جديد، نقيٌّ من سموم التمكين والكراهية.
عندها فقط، لن يحتاج أحد إلى هزيمة هذا التنظيم، الذي سيموت لا محالة من تلقاء نفسه.
كما تموت الأسماك وقت ينحسر عنها الماء.
وكما تنطفئ الفوانيس عندما ينفد وقودها.
ليمضي الوطن، نحو موعده المؤجل مع العدالة، بعد رحلةٍ طويلةٍ في صحراء هذا السراب.






