تُنّة رجب .. يكتب .. الخماسية على المحك… كيف فجّر الرفض المدني رهان الرياض لإعادة هندسة حرب السودان؟

:
لم يكن رفض حزب الأمة القومي، وتحالفي “صمود” و”قوى إعلان المبادئ”، المشاركة في مشاورات الآلية الخماسية بصيغتها الحالية مجرد اعتراض إجرائي على ترتيبات اجتماع سياسي، وإنما كشف عن أزمة أعمق تتعلق بمن يملك حق تصميم مستقبل السودان، ومن يحدد شكل السلام وحدوده وأطرافه.
فخلال الأشهر الماضية، بدت الآلية الخماسية وكأنها انتقلت تدريجياً من دور المسهّل إلى دور المهندس للعملية السياسية، عبر خارطة طريق أثارت شكوك قطاع واسع من القوى المدنية التي رأت أنها تُصاغ خارج الإرادة السودانية، وتفتح الباب أمام إعادة تدوير القوى المرتبطة بنظام الإنقاذ والحركة الإسلامية تحت مسميات جديدة، بما يمنح الحرب غطاءً سياسياً بدلاً من إنهائها.
وجاء موقف حزب الأمة القومي واضحاً عندما أعلن رفضه المشاركة في المشاورات بصيغتها الحالية، مؤكداً رفض أي محاولة لإعادة إنتاج نظام الثلاثين من يونيو عبر إشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما، ومطالباً بعملية سياسية سودانية شاملة تقوم على تمثيل حقيقي للقوى صاحبة المصلحة في إنهاء الحرب وبناء السلام.
الموقف ذاته عبّر عنه تحالفا “صمود” و”قوى إعلان المبادئ”، اللذان رفضا المشاركة في اجتماعات أديس أبابا، اعتراضاً على تصميم العملية السياسية بصورة منفردة ومن دون تشاور حقيقي مع القوى السودانية، مع التحذير من منح واجهات سياسية محسوبة على قيادة الجيش فرصة السيطرة على مسار التسوية وتوجيهه لخدمة مشروع الحرب.
لكن ما يبدو أكثر أهمية من بيانات الرفض نفسها هو السؤال الذي فرض نفسه بقوة: من يقف خلف هذا الاتجاه؟ ومن المستفيد من إعادة تشكيل العملية السياسية بهذه الصورة؟
تتجه مؤشرات عديدة إلى أن المملكة العربية السعودية أصبحت اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً داخل هذا المسار، ليس باعتبارها وسيطاً تقليدياً، وإنما باعتبارها صاحبة مشروع سياسي متكامل يسعى إلى إعادة إنتاج السلطة في السودان بصورة مختلفة، مع الحفاظ على المؤسسة العسكرية بوصفها مركز السلطة الفعلي.
وتتحدث دوائر سياسية سودانية عن استخدام الرياض مزيجاً من أدوات النفوذ، يجمع بين الدبلوماسية والضغط السياسي، إضافة إلى النفوذ المالي داخل بعض المؤسسات الإقليمية، بهدف دفع شركاء الآلية الخماسية نحو تبني رؤية أقرب إلى مقاربة سلطة بورتسودان، بما يقلص مساحة المبادرات الدولية الأخرى ويعيد توجيه العملية السياسية وفق أولويات جديدة.
وتأتي هذه التحركات، بحسب منتقديها، في سياق أوسع سبق أن شمل تقديم دعم عسكري وسياسي لعبد الفتاح البرهان، إلى جانب محاولات استقطاب شخصيات وقيادات من داخل قوات الدعم السريع وبعض المجموعات المدنية، في مسعى لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية بما يخدم مشروع تسوية لا تؤدي إلى تغيير جذري في بنية السلطة.
كما يرى هؤلاء المنتقدون أن تعيين الفريق ياسر العطاء ممثلاً لسلطة بورتسودان في التحالف البحري الجديد في البحر الأحمر، الذي تقوده السعودية، يعكس مستوى متقدماً من التقارب بين الرياض والقيادة العسكرية السودانية، ويمنح هذا التقارب بعداً أمنياً وإقليمياً يتجاوز مجرد التنسيق العسكري، ليصبح جزءاً من إعادة رسم توازنات البحر الأحمر وربطها بمستقبل السلطة في السودان.
في المقابل، فإن رفض القوى المدنية لا يقتصر على الاعتراض على أسماء المشاركين أو آليات التشاور، وإنما ينطلق من قناعة بأن أي عملية سياسية تُبنى على موازين الحرب الحالية، أو تسمح بعودة شبكات النظام السابق إلى واجهة المشهد، لن تنتج سلاماً دائماً، بل ستؤسس لجولة جديدة من الصراع.
ولهذا فإن مجرد رفض الآلية الخماسية لا يكفي.
فالبديل الذي تطرحه قطاعات واسعة من القوى المدنية يقوم على الدعوة إلى عملية أممية متعددة الأبعاد، تقودها الأمم المتحدة بولاية واضحة، وتشارك فيها المنظمات الإقليمية بوصفها شركاء داعمين لا أطرافاً مقررة، مع ضمان حياد الرعاية الدولية، وملكية السودانيين الكاملة للعملية السياسية.
ويرتكز هذا التصور على عقد اجتماعي جديد تتوافق عليه القوى المدنية الديمقراطية والمجتمعات المتضررة من الحرب، ويحدد بصورة واضحة أولويات وقف القتال، وحماية المدنيين، وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحقيق العدالة الانتقالية، واستعادة الدولة المدنية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
لقد كشف الرفض الجماعي للقوى السياسية أن الأزمة لم تعد في تفاصيل الوساطة، وإنما في طبيعة المشروع الذي تحمله. فكلما اتسعت الشكوك حول انحياز الوسطاء أو خضوعهم لتوازنات إقليمية، تراجعت فرص نجاح أي تسوية مهما بلغت الضغوط السياسية أو المالية المصاحبة لها.
وفي نهاية المطاف، فإن السلام في السودان لن يُبنى عبر هندسة خارجية، ولا عبر إعادة تدوير أطراف الصراع، وإنما عبر عملية سياسية يملكها السودانيون أنفسهم، وتحظى برعاية دولية محايدة، وتستند إلى مشروع وطني يقطع مع الحرب والانقلاب معاً، بدلاً من أن يمنحهما فرصة جديدة للبقاء.










