مقال

جمال طيفور .. يكتب .. ويلتون بارك.. الأسلحة الكيميائية.. وإعدامات الخرطوم: ثلاثة مشاهد تُدين أمجد فريد

لم يكن مستغرباً أن يخرج مستشار رئيس مجلس السيادة بسلطة بورتسودان، أمجد فريد، مستنكراً دعوة بريطانيا لقيادات من تحالف "تأسيس" لحضور مؤتمر ويلتون بارك. غير أن المفارقة التي يصعب تجاهلها أن هذا الاستنكار جاء بعد أيام قليلة من فرض الولايات

 

 

 

    لم يكن مستغرباً أن يخرج مستشار رئيس مجلس السيادة بسلطة بورتسودان، أمجد فريد، مستنكراً دعوة بريطانيا لقيادات من تحالف “تأسيس” لحضور مؤتمر ويلتون بارك. غير أن المفارقة التي يصعب تجاهلها أن هذا الاستنكار جاء بعد أيام قليلة من فرض الولايات المتحدة حزمة عقوبات جديدة على سلطة بورتسودان، متهمة الجيش باستخدام أسلحة كيميائية محرمة دولياً في حربه ضد قوات الدعم السريع.
في السياسة، قد يكون أخطر ما يواجه أي سلطة ليس ما يقوله خصومها، وإنما ما تقوله هي عن نفسها دون أن تدرك. فثمة لحظات يصبح فيها الخطاب الرسمي وثيقة إدانة، ويغدو التناقض بين الأقوال والوقائع أبلغ من أي اتهام خارجي. وما جرى خلال الأيام الأخيرة يقدم نموذجاً مكثفاً لهذا المشهد في السودان.
فقد خرج مستشار البرهان، أمجد فريد، مهاجماً الدعوة البريطانية لقيادات من تحالف تأسيس للمشاركة في مؤتمر ويلتون بارك، معتبراً أن المملكة المتحدة لا يمكن أن تدّعي الوقوف ضد مرتكبي الفظائع في السودان، بينما تفتح منصاتها أمامهم وتقدمهم بوصفهم فاعلين مدنيين.
للوهلة الأولى يبدو التصريح جزءاً من معركة سياسية وإعلامية معتادة، غير أن توقيته يحوّله إلى شيء مختلف تماماً. فهو يأتي بعد أن فرضت الولايات المتحدة حزمة جديدة من العقوبات على سلطة بورتسودان، على خلفية اتهامها باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب، وهو اتهام بالغ الخطورة لا يتعلق بانتهاكات تقليدية في نزاع مسلح، وإنما باستخدام سلاح محرّم دولياً، يضع حكومة بورتسودان في مواجهة القانون الدولي والضمير الإنساني.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من الذي يملك اليوم حق احتكار الحديث عن «الفظائع»؟
عندما يصف مستشار البرهان قوات الدعم السريع بأنها مرتكبة للفظائع، فإنه يتجاهل أن المجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى الحرب بمنظار الرواية الرسمية لسلطة بورتسودان، وإنما من خلال تقارير وتحقيقات وقرارات تتهم الجيش وحلفاءه أيضاً بارتكاب انتهاكات جسيمة، بلغت حد استخدام أسلحة كيميائية. وليس بعد هذه الإدانة وصف يمكن أن يكون أشد وقعاً أو أكثر فظاعة.
إن استنكار أمجد فريد للدعوة البريطانية يبدو، في هذا السياق، أقرب إلى إدانة غير مقصودة للسلطة التي يمثلها. فحين تصبح حكومته نفسها موضع عقوبات دولية بهذا المستوى، يفقد خطابها الأخلاقي كثيراً من قدرته على الإقناع، لأن العالم لم يعد يرى طرفاً نقياً وآخر مداناً، بل يرى حرباً تتسع فيها دائرة المسؤولية، وتتعدد فيها الجهات المتهمة بارتكاب الانتهاكات.
التناقض الثاني لا يقل عمقاً.فالبرهان يعلن، بين الحين والآخر، استعداده لمسار سياسي أو سلام، لكنه يشترط في الوقت نفسه تفكيك قوات الدعم السريع باعتبارها مجرد كيان عسكري، وينفي عملياً أي وجود سياسي للتحالف الذي يقف معها. ثم يعود الخطاب الرسمي نفسه ليعامل تحالف تأسيس وكأنه مجرد واجهة سياسية لقوات الدعم السريع، لا أكثر.
هذه الرواية تنهار أمام أبسط قراءة للتاريخ السياسي السوداني.فقوات الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، والقوى المدنية والسياسية التي التحقت بتحالف تأسيس، ليست كيانات وُلدت مع قوات الدعم السريع، ولا تشكّلت في ظلها، وإنما هي قوى سبقت الدعم السريع بسنوات طويلة، وبعضها يمتلك تاريخاً سياسياً وعسكرياً يمتد لعقود. وهي صاحبة برامج ورؤى وخلافات مع الحكومات المتعاقبة قبل أن يظهر الدعم السريع أصلاً في المشهد السوداني.
إن اختزال هذا التنوع كله في مجرد «واجهة سياسية للدعم السريع» ليس قراءة سياسية، وإنما محاولة لإعادة كتابة التاريخ وفق مقتضيات الحرب والدعاية. وهو اختزال يهدف إلى نزع الشرعية عن أي مشروع سياسي منافس، أكثر مما يسعى إلى فهم تركيبته الحقيقية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت السلطة تعترف ضمناً بأن لتحالف تأسيس تأثيراً يستدعي احتجاجها على دعوات بريطانيا له، فلماذا تصر في الوقت ذاته على إنكار وجوده السياسي المستقل؟ وإلى متى يستمر هذا التنكر للوقائع وتشويه الحقائق وبناء الخطاب العام على إنكار ما يعرفه الجميع؟
أما المشهد الثالث، فهو الأكثر إثارة للقلق.ففي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن سيادة القانون، أعلنت لجنة أمن محلية الخرطوم صدور أحكام بالإعدام بحق ثمانية متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، إلى جانب أحكام متفاوتة بحق آخرين، ثم ربطت ذلك بانخفاض معدلات الجريمة في المحلية.
هذا الربط يكشف فلسفة سياسية أكثر مما يعكس مجرد خبر أمني.فالرسالة الضمنية تقول إن الإعدامات والمحاكمات الواسعة أصبحت أداة لإنتاج الأمن، وإن القضاء تحول إلى جزء من منظومة الحرب، لا إلى مؤسسة مستقلة تبحث عن العدالة. وهي صورة تستحضر، في الذاكرة السياسية، محاكم التفتيش التي كانت تصدر الأحكام بوصفها أدوات لتصفية الخصوم باسم العقيدة أو الأمن أو الولاء.
الأخطر أن تهمة «التعاون مع الدعم السريع» أصبحت، في كثير من الأحيان، وصفاً فضفاضاً يتسع لكل خصم سياسي أو مدني أو اجتماعي، في ظل غياب الشفافية الكاملة والرقابة القضائية المستقلة، وهو ما يثير أسئلة كبيرة حول ضمانات العدالة، وحول طبيعة هذه المحاكمات في زمن الحرب.
وفي المقابل، لا يجد السودانيون تفسيراً مقنعاً للصمت الرسمي تجاه الانتهاكات التي تُنسب إلى القوات المشتركة، وكتائب الإسلاميين، وقوات العمل الخاص، في المدن الخاضعة لسيطرة الجيش. فهل أصبحت الجرائم تُقاس بهوية مرتكبها، أم أن العدالة الحقيقية تقتضي مساءلة الجميع بلا استثناء؟
إن السلطة التي تطلب من العالم تصديق روايتها، مطالبة أولاً بأن تواجه تناقضاتها.لا يمكن إدانة الآخرين بالفظائع بينما تواجه الدولة نفسها اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية.ولا يمكن إنكار الوجود السياسي لتحالف تأسيس، ثم الاحتجاج على استضافته في المؤتمرات الدولية بوصفه فاعلاً سياسياً.ولا يمكن الحديث عن سيادة القانون بينما تتحول المحاكم إلى امتداد لمناخ الحرب والاستقطاب، وتغيب المساءلة المتوازنة عن جميع الأطراف.
لقد دخل السودان مرحلة لم تعد الروايات الدعائية قادرة على حسمها. فالعالم لم يعد يكتفي بخطابات الإدانة، وإنما ينظر إلى الوقائع، وإلى التقارير، وإلى سلوك السلطة نفسها.وفي السياسة، كما في التاريخ، قد يستطيع الخطاب أن يؤجل الحقيقة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يلغيها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى