مقال

عوض أحمد عمر .. يكتب .. مأساة أسرة الخضر بالرياض.. ▪️فاجعة تهز القلوب حين اجتمع الفقد كله في بيت واحد… ▪️الموت لا يوجع الموتي .. الموت يوجع الأحياء

هناك مواقف يكتشف فيها الإنسان حدود اللغة، ويشعر أن الكلمات التي طالما استعان بها للتعبير عن أفراحه وأحزانه قد خذلته في

 

 

هناك مواقف يكتشف فيها الإنسان حدود اللغة، ويشعر أن الكلمات التي طالما استعان بها للتعبير عن أفراحه وأحزانه قد خذلته في اللحظة التي كان أحوج ما يكون إليها، وأن اللغة نفسها أصبحت أضيق من أن تحمل هذا القدر من الألم.”
– وهناك مصائب يبلغ حجمها من القسوة مبلغاً يجعل كل عبارات المواساة تبدو أقل من أن تلامس عمق الجرح أو تخفف شيئاً من وطأة الألم.
– هذا تماماً ما شعرت به وأنا أتابع تفاصيل الحريق المأساوي الذي وقع في منزل الأخ محمد علي الخضر بمدينة الرياض، وأودى بحياة زوجته وأطفاله الأربعة، بينما كانت الزوجة في شهرها التاسع من الحمل.
– في فاجعة إنسانية مؤلمة هزت كل من سمع بها، وأغرقت القلوب في موجة من الحزن والأسى.
– أعرف أسرة آل الخضر منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ فترة إقامتي بمدينة الرياض بالسعودية من خلال الأخ العزيز يوسف على الخضر حيث نشأت بيننا علاقات أخوية وأسرية صادقة وممتدة .
– وخلال تلك السنوات تعرفت عن قرب على أسرة كريمة جمعتها المحبة، وربطت بين أفرادها أواصر قوية من التراحم والتكافل وصلة الرحم، وكانت مثالاً للأسرة المتماسكة التي تقوم على الاحترام والمحبة والتواصل الدائم.
– ولذلك لم يكن هذا الخبر بالنسبة لي مجرد حادثة مؤلمة أقرأها في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، بل كان مصاباً أليما لأسرة أعرفها ولها معزة خاصة ، وأشخاصاً جمعتني بهم سنوات من الود والتقدير والعلاقات الإنسانية الصادقة.
– حين وصلني الخبر شعرت بصدمة كبيرة..حاولت أن أستوعب ما حدث، لكن بعض الأحداث تكون أكبر من قدرة العقل على استيعابها.
– فليس من السهل أن يتخيل الإنسان أن أسرة كانت قبل ساعات تعيش حياتها بصورة طبيعية، تستعد لاستقبال يوم جديد ومولود جديد، يمكن أن تتحول في لحظات قليلة إلى عنوان لفاجعة بهذا الحجم.
– الأم التي كانت تنتظر ميلاد طفلها بعد أيام قليلة، كانت تستعد لواحدة من أجمل لحظات الحياة. كانت تحلم كما تحلم كل أم بطفل جديد يملأ البيت فرحاً، ويضيف صفحة جديدة إلى كتاب الأسرة الجميل.
– لكن إرادة الله سبحانه وتعالى شاءت أن يكون الموعد مع قدر آخر، وأن يتحول انتظار الميلاد إلى وداع مؤلم، وأن تجتمع في هذه الحادثة الموجعة مواجع متعددة في لحظة واحدة.
– إن ما يزيد هذه الفاجعة إيلاماً أن الأمر لا يتعلق بفقد شخص واحد، أو حتى شخصين، وإنما بفقد أم وأطفالها الأربعة وجنينها المنتظر.
– وهذا النوع من المصائب لا يترك وراءه حزناً عادياً، بل يترك فراغاً هائلاً يصعب وصفه بالكلمات. ..الموت لا يوجع الموتي .. الموت يوجع الأحياء
– فالزوجة ليست مجرد فرد في الأسرة، وإنما هي قلب البيت وروحه ودفؤه.
– والأطفال ليسوا مجرد أبناء، وإنما هم أحلام المستقبل وامتداد الحياة ومصدر البهجة اليومية.
– وحين يرحل كل ذلك دفعة واحدة، يصبح الألم أكبر من الوصف وفوق طاقة الاحتمال ، ويصبح الحزن أكبر من اللغة نفسها.
– وحين بادرت بالاتصال بالأخ العزيز يوسف علي الخضر معزيا … وجدت نفسي أمام موقف نادر تعجز فيه الكلمات .
– كنت أبحث عن عبارة مناسبة، عن جملة يمكن أن تخفف شيئاً من هذا الوجع، لكنني كنت أشعر في داخلي أن كل ما أقوله أقل من حجم المصاب.
– كان الموقف صعباً، ليس لأن الكلمات غير موجودة، وإنما لأن حجم الفاجعة جعل اللغة نفسها تبدو عاجزة.
– ففي بعض المواقف لا يملك الإنسان إلا أن يصمت، أو يردد كلمات الاسترجاع والدعاء، أو يشارك أهل المصاب دمعة صادقة تنطق بما تعجز عنه الحروف.
– ولعل أكثر ما استوقفني في هذه الفاجعة أن الألم لم يكن محصوراً داخل الأسرة وحدها، بل امتد إلى كل من عرف هذه الأسرة الكريمة.
– فالمحبة التي زرعتها الأسرة في نفوس الناس عبر السنوات الطويلة عادت اليوم في صورة مشاعر صادقة من التعاطف والحزن والمواساة.
– وهذه واحدة من الحقائق الجميلة التي تكشفها المواقف الصعبة. فحين يزرع الإنسان الخير في حياة الناس، يجد هذا الخير حاضراً حوله في ساعات المحنة.
– وحين تبنى العلاقات على المحبة والصدق والوفاء، تتحول تلك العلاقات إلى سند حقيقي في أوقات الشدة.
– لقد تابع كثيرون هذه الحادثة بقلوب دامعة، ليس لأنهم يعرفون تفاصيلها فقط، وإنما لأنهم شعروا بأنهم أمام مأساة إنسانية استثنائية.
– مأساة تذكرنا جميعاً بحقيقة هذه الحياة، وبأن الإنسان مهما خطط وأمل ورتب أموره، فإن أمر الله نافذ، وأن الأعمار بيده سبحانه وتعالى.
– وفي مثل هذه اللحظات تتجلى معاني الإيمان الحقيقية. فالإيمان لا يمنع الحزن، ولا يمنع الدموع، لكنه يمنح الإنسان القدرة على احتمال ما لا يطاق، ويمنحه يقيناً بأن وراء كل قدر حكمة يعلمها الله، وأن الصبر عند البلاء من أعظم أبواب الأجر والثواب.
– لقد وصف الله الصابرين بقوله تعالى: “إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”. وما من شك أن ما يمر به الأخ محمد علي الخضر وأسرته اليوم هو من أشد أنواع الابتلاءات التي يمكن أن تواجه إنساناً في حياته.
– وهو ابتلاء لا يملك المرء أمامه إلا أن يتضرع إلى الله أن يربط على قلبه، وأن يمنحه من الصبر والثبات والسكينة ما يعينه على تجاوز هذه المحنة العظيمة.
– إننا أمام فاجعة لا يمكن أن تستوعبها الكلمات، ولا أن تخفف من وجعها الأيام بسهولة. لكن عزاءنا جميعاً أن من رحلوا انتقلوا إلى رحمة رب كريم، وأن الله أرحم بهم من الدنيا وما فيها، وأن رحمته سبحانه أوسع من كل ألم وأكبر من كل حزن.
– نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الزوجة الراحلة بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجعلها من أهل الفردوس الأعلى، وأن يرحم أطفالها الأربعة وجنينها المنتظر، وأن يجعلهم شفعاء لوالديهم يوم القيامة، وأن يكرم نزلهم ويوسع مدخلهم ويجمعهم في مستقر رحمته.
– كما نسأله سبحانه وتعالى أن يجبر كسر الأخ محمد علي الخضر، وأن يربط على قلبه، وأن يعوضه خيراً، وأن يجعل له من هذا الابتلاء العظيم أجراً وثواباً ورفعة في الدنيا والآخرة.
– ونجدد خالص العزاء وصادق المواساة إلى الأخ العزيز يوسف علي الخضر، الذي عرفناه دائماً صاحب قلب كبير وعلاقات واسعة ومواقف نبيلة، سائلين الله أن يعينه على هذا المصاب، وأن يمنحه وأسرته الكريمة الصبر والسلوان.
– كما نتقدم بالتعازي إلى جميع أفراد أسرة آل الخضر، وإلى الأقارب والأصدقاء والأحباب، سائلين الله أن يحفظهم من كل سوء وأن يجعل هذا المصاب آخر أحزانهم.
– رحم الله الراحلين رحمة واسعة، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر الجميل.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).

▪️عوض أحمد عمر
مانشستر 20 يونيو 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى