السفير . الصادق المقلي .. يكتب .. لا انتصار كاسح لواشنطن ،و لا خسارة كاملة لإيران !
لا انتصار كاسح لواشنطن، حيث لم يتحقق هدفها في إسقاط النظام، ولا خسارة كاملة لإيران، ولم يكن ثمة تأكيد لدمار شامل لقدراتها النووية والباليستية...

لا انتصار كاسح لواشنطن، حيث لم يتحقق هدفها في إسقاط النظام، ولا خسارة كاملة لإيران، ولم يكن ثمة تأكيد لدمار شامل لقدراتها النووية والباليستية…
ولكن، بحساب الربح والخسارة في حرب، يمكن الحديث عن انتصار نسبي لإيران، حيث واجهت وقاومت آلة حربية مدمرة ومتقدمة من قبل أقوى دولة في العالم، أمريكا، وأقوى دولة في الإقليم، إسرائيل.
واستطاعت، مع اتساع رقعة الحرب في الإقليم، والتأثير على الملاحة البحرية في المنطقة، وقصفها لجيرانها في الخليج، واستهداف المنشآت العسكرية الأمريكية هناك، وضرباتها الموجعة في قلب الدولة الصهيونية، أن يصل أثر الحرب إلى كل بيت في العالم، فضلًا عن تصاعد الغضب على ترامب في الداخل الأمريكي. واستطاعت إيران، من خلال هذه المقاومة غير المتوقعة، أن تجعل ترامب يذعن للوساطة الباكستانية، التي وجد فيها ما يشبه طوق النجاة من ورطته في المنطقة. فترامب، بخلاف إيران، هو من كان يعشعش في رأسه خيار تسوية ما، وقد نسي مقترحه ذا الخمس عشرة نقطة، وأبدى موافقته المبدئية على نقاط إيران العشر، حيث صرّح قائلًا:
“تلقينا مقترحًا من 10 نقاط من إيران، ونعتقد أنه أساس عملي للتفاوض. تم الاتفاق على جميع نقاط الخلاف السابقة مع إيران. قطعنا شوطًا كبيرًا في التوصل لاتفاق نهائي بشأن سلام طويل الأمد مع إيران.”
نعم، لم يسقط النظام الإيراني، لا بسلاح واشنطن ولا بسلاح تل أبيب، ولم يحدث الشرخ الذي ظل يهدد ويُلوّح به كل من ترامب ونتنياهو في الداخل الإيراني، الذي ظل متماسكًا إلى حد كبير طوال مسار الحرب والعدوان على بلاده.
ولكن أصاب الدولة دمار كبير في بنيتها التحتية والعسكرية، يحتاج إلى عدة سنوات لإعادة إعماره… وربما تعي إيران درسًا من هذه الحرب المدمرة الضروس، فتنكفئ حينًا على الداخل، وتعزف عن خوض حروب بالوكالة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل فقدانها لهؤلاء الوكلاء في المنطقة.
أعتقد أن الخاسر الأكبر هو إسرائيل؛ فمنذ عام 1948 لم يحدث أن احتمى الشعب الإسرائيلي في الملاجئ لأكثر من أربعين يومًا وفي حربين، ولم يحدث أن طالها السلاح في كافة أنحائها بهذا الشكل. ولم يكن من قبل أثر بهذا القدر، لا لسلاح المقاومة ولا لسلاح العرب في هذا الزمن العربي المهزوم.
ويبقى التحدي الأكبر الذي سيواجه المفاوضات المقبلة بين الطرفين في إسلام آباد هو مسألة الدمج أو الفصل بين المسار الإيراني ومسار جنوب لبنان، وستكون هذه ضمن الأوراق التفاوضية التي يحملها الطرف الإيراني؛ حيث لا تريد إيران أن تظهر بمظهر من تخلى عن حليفه حزب الله في هذه الحرب، إلى جانب الملف النووي والباليستي، ومضيق هرمز، والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وربما يساعد موقف الوسيط الباكستاني في تجسير الهوة بين الموقفين، علمًا بأن الوسيط الباكستاني يرى ضرورة دمج المسارين، في وقت يرى فيه نتنياهو هذا الدمج بمثابة خسارة عسكرية له في جنوب لبنان، رغم أن جيشه توغل كثيرًا داخل الأراضي اللبنانية أثناء هذه الحرب. وفي وقت يغض فيه ترامب الطرف، ولو إلى حين، عن الجبهة اللبنانية، كما ظل يفعل من قبل متجاهلًا اتفاق 1701، بينما يرى نتنياهو في مسألة الدمج هزيمة له، في وقت يتعرض فيه إلى ضغوط كبيرة من المعارضة، وحتى داخل الائتلاف الحكومي، ضغوط ربما تعرضه لهزيمة قاسية في مقبل الاستحقاقات الانتخابية.
على كل، نحن أمام معادلة لا غالب ولا مغلوب، رغم أن كلا الطرفين سيذهبان إلى إسلام آباد في موقف المنتصر.
نعم، لم يسقط النظام الإيراني ولم تسقط الدولة، وإنما سقط النظام الدولي، وسيتهاوى رويدًا رويدًا، طالما ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تمسك بيدها زمام القانون الدولي وتُروّضه وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
والسؤال الذي ربما يُطرح على المسرح الدولي والإقليمي:
هل يا ترى تستقي الدول العربية والإسلامية درسًا من هذه الحرب التي هددت وجودها، وتعيد النظر، من خلال منظوماتها الإقليمية، في صياغة مشروع عربي إسلامي لمواجهة التهديدات الأمريكية والصهيونية الوجودية في المنطقة؟








