ياسر عرمان .. يكتب .. هل يتماسك السودان؟ ما بين الفريق أول ياسر العطا والفريق أول محمد عثمان الحسين!
علينا أن ننتصر لبلادنا في وقت من التعقيدات غير مسبوق، عنوانه الخلافات وتباعد المسافات وضعف الصف الوطني العريض، وأن ندرك قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات بالفعل، أن هذه الحرب تهدد

علينا أن ننتصر لبلادنا في وقت من التعقيدات غير مسبوق، عنوانه الخلافات وتباعد المسافات وضعف الصف الوطني العريض، وأن ندرك قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات بالفعل، أن هذه الحرب تهدد وجود السودان نفسه على نحو لم يحدث من قبل، وأن بلادنا في مهب الريح، وما عاد تماسكها مضمونًا لأنها في أضعف حالاتها، فقد تشتت المجتمع وماتت الدولة، ومشاريع أطراف الحرب لا تجمع بل تفرق، وفي أفضل أحوالها تعجز عن خلق وحدة عضوية متجانسة داخل صفوفها، ويسود مناخ متبادل من العداوة والكراهية وأنصاف الحقائق المعلقة على مشاجب الدعاية الحربية.
القوى المدنية والعودة لمنصة القضايا المصيرية:
كتلة قوى الثورة والديمقراطية والانتقال المدني، رغم مجهودات بُذلت، لم تصل إلى مستوى الكتلة العضوية الوازنة، وتعمل في مناخ الحرب داخليًا، وفي ظروف إقليمية ودولية طاردة خارجيًا، لا تقيم وزنًا كبيرًا لقضايا التحول المدني الديمقراطي، وتهتم بالجغرافيا السياسية (جيوبولتكس) ونهب الموارد والحلول السريعة والمؤقتة غير المستدامة.
تحويل الكتلة المدنية لكوارث الحرب لمنفعة يحتاج للعودة لمنصة التكوين مثل ما حدث في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في 15-23 يونيو عام 1995، الذي أعاد إنتاج وحدة القوى المدنية على هدىً وكتاب، وهو شرط لازم للدفع بأجندة وحدة القوى المدنية ووحدة السودان ووقف وإنهاء الحرب، خصوصًا بأن العملية السياسية، رغم جمال اسمها، ستمزق صف القوى المدنية ما لم يؤسس لها بوحدة صلبة وأجندة تفصيلية واضحة، وطرفا الحرب لا يرغبان في أجندة قوى الثورة وإن بدا الأمر أحيانًا غير ذلك، وإلا لما اتفقا على الانقلاب وما قامت الحرب، ويظل التحدي الحقيقي في البحث عن بلاد جديدة وأجندة مغايرة هو بناء جبهة قوى الثورة الوازنة للانتقال المدني، جبهة السلام العادل والمواطنة.
إن طريقنا معقد، ولبلوغ أهدافنا نحتاج لعقد مؤتمر جديد للقضايا المصيرية لكل قوى التغيير والثورة والجبهة المعادية للحرب، قبل أن ندخل في حوار مع أطراف الحرب والإقليم والمجتمع الدولي، وقبل الاستجابة للدعوات المتناثرة المعلنة وغير المعلنة مع جيراننا الأقربين والعالم الفسيح، وعلينا تقديم التنازلات لبعضنا البعض قبل تقديمها للآخرين، وأن نؤسس وحدتنا في استقلالية تامة عن قوى الحرب وخصوصًا الإسلاميين.
ما بين ياسر العطا ومحمد عثمان الحسين:
أجرت قيادة القوات المسلحة تغييرات مهمة، وهناك تغييرات أخرى يجري الإعداد لها، وأُحيل للتقاعد بموجبها قادة مهمون من قادة الجيش، على رأسهم الفريق أول محمد عثمان الحسين والفريق خالد عابدين الشامي، وتم تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسًا لهيئة أركان الجيش، وبعيدًا عن دعاية الحرب وعن وسائل التواصل الاجتماعي، وعن الأسماء والبهارات والتوابل، وعن دور أسامة عبد الله أو السفيرة أم حمد، دعنا نفتح أبواب الحوار العقلاني ونطرح بعض القضايا التي يجب أن يشملها الحوار في بحثنا المضني عن السلام والطعام والمواطنة بلا تمييز والديمقراطية.
يبدو أن تعيين ياسر العطا يتجه بالجيش نحو مزيد من الحرب، وأن مجلس السيادة سيلفظ أنفاسه الأخيرة، وترتيبات سياسية جديدة ستأخذ مجراها، وما الإبدال والإحلال في قيادة الجيش إلا ما ظهر من جبل التغيير، ولكنه تغيير محدود لا يشمل كل السودان ولا يخاطب قضايا الحرب والمتغيرات القادمة، بما فيها ما بعد حرب الخليج، وكذلك المكانة الجديدة للفريق كباشي وأطراف سلام جوبا. هذه التغييرات لن تخاطب أمهات القضايا، وأولها الكارثة الإنسانية وتصاعد الأزمة الاقتصادية وقضايا المعيشة، وعدم قدرة العاملين في أجهزة الدولة على الحصول على ما يسد الرمق، وخاصة في قطاعات الصحة والتعليم، وتوفير لقمة العيش والإنتاج الزراعي مع استمرار الحرب. أما آن للجيش أن يترجل نحو التفاوض والحرب في ذات الوقت، وأن يركز على مخاطبة الكارثة الإنسانية، ويقدم أجندة تفتح أبواب الإغاثة وتوفر الطعام والدواء، وهي ضروريات أصبحت لازمة لطرفي الحرب وللمدنيين في مناطقهم، وهم عاجزون عن الإيفاء بها لمعالجة احتياجات المواطنين رغم الدعاية والدخان الكثيف. إن التفاوض أداة من أدوات الحرب، وربما تحصل على مكتسبات بالسلام والتفاوض لن تحصل عليها بالحرب، كما أن مستقبل السودان لا بد أن يخضع لحوار واسع وآليات تحشد له الدعم الواسع، مثل ما هي في فكرة المؤتمر الدستوري المعلقة في السماء ولم تلامس الأرض.
التحدي الرئيسي الذي يواجه رئيس هيئة الأركان الجديد ليس الحرب، فهو ضابط متمرس وذو تجربة، إنما مقدرته على اصطحاب درس مهم معه في إطار التسليم والتسلم من الفريق أول محمد عثمان، المعروف عنه عدم الخلط بين واجباته كضابط والتصريحات في سوق عكاظ السياسي. وعُرف عن رئيس هيئة الأركان السابق والفريق خالد عابدين والفريق محمد علي صبير صومهم عن التصريحات السياسية في السياسة الداخلية والخارجية، بينما عُرف ياسر العطا بتصريحاته المتواترة في قضايا سياسية معقدة حينما كان عضوًا في مجلس السيادة، ولكن موقعه الآن يتطلب غير ذلك، وإذا استمر في التصريحات من موقعه الحالي واهتمامه بالإعلام، سيخلق تناقضات داخلية وخارجية تعمق أزمة الجيش وتحول الجيش لدائرة من دوائر الاستقطاب السياسي، وتجعله في مرمى النيران السياسية المعادية والصديقة داخليًا وخارجيًا. فهل يصوم الفريق أول العطا عن الحديث غير المباح مثل ما فعل الفريق محمد عثمان، أم سيقود الجيش نحو مزيد من التجريف وتآكل قاعدة دعمه وتأييده، ويدفع به للجة الصراع السياسي المباشر على طريقة الحوري وكجاب؟ وعلى طريقة المتنطعين الذين يجب محاسبتهم من أمثال حاج ماجد سوار والسفيرة أم حمد!
إذا واصل الفريق العطا في التصريحات السياسية، فإنه قبل أن يُرسل ذخيرة العمليات سيوفر ذخيرة سياسية تعمق مأزق السودان الحالي، وبحكم قانون الجيش فإن مواقع الضباط الكبار في مجلس السيادة هي مناصب سياسية يصعب الخلط بينها وبين الجندية المحترفة، وهذه قضية تحتاج لبحث وحل يعزز فرص السلام لا الحرب وفرص بناء الجيش.
إن بلادنا تحتاج لرؤية جديدة وطريق جديد، ومهما حدث من ظلام اليوم فإن الشمس ستشرق غدًا.
اللهم احفظ السودان وشعبه
وكل أبريل وأنتم طيبون
المجد لأبريل 1985
والمجد لأبريل 2019
5 أبريل 2026









