د التوم حاج الصافي زين العابدين .. يكتب .. جيش واحد… شعب واحد
حينما أدخلت الحركة الإسلامية منسوبيها في المؤسسات الأمنية، وعملت على أدلجة الجيش والشرطة، ثم أقامت المليشيات بثوب

حينما أدخلت الحركة الإسلامية منسوبيها في المؤسسات الأمنية، وعملت على أدلجة الجيش والشرطة، ثم أقامت المليشيات بثوب الدولة: الأمن، الاستخبارات، الدفاع الشعبي، البرق الخاطف، السيف البتار، البراء الاحتياطي، ضمنت تمامًا الولاء. ومن ثم تحركت في مساحات خالية تركتها لأرامل مشروعها، ومن هنا تم ليُّ ذراع السودانيين، ومن هنا بدأت الكارثة الكبرى: جيشٌ يمثل تنظيمًا ويتحدث بلسان الشعب السوداني، ومن يخالفه يُعتبر خائنًا وعميلًا لا وطنيًا. حديقة كبرى لم تُفتح إطلاقًا على فطرة العقلاء، لكنها تمرَّر سريعًا في عقول البسطاء.
بعد هذا التمكين الأيديولوجي دخل تمكينٌ من نوع آخر، وهو التمكين الجهوي، تديره مجموعة مؤدلجة لكنها ليست كثيرة الثقة في كل المنتمين للتنظيم؛ وجلُّ هؤلاء من الولايات التي لا تزال تتحكم فيهم سطوة الهوية، وبعضهم تسيطر عليه الحمية القبلية الجاهلية. ولعل نصيب أهل الشمال بصورة عامة هو الأكبر، غير أن الجعليين والشوايقة حازوا النصيب الأوفر، وهم طلاب سلطة منذ أن تحولت السلطة في السودان من قبيلة رفاعة والفونج الذين حكموا متحدين 317 عامًا متصلة، ولم يهدد حكمهم في بادئ الأمر تمرد محمد أبو الكيلك الذي يشبه في بعض ملامحه ما يحدث اليوم، وإنما كانت قائمة الظهر هو تحالف القبائل الأخرى مع المستعمر وما له من تفاصيل آنذاك.
وليس الأمر تنظيرًا مجردًا، بل تؤكده النماذج الحية داخل بنية المؤسسة نفسها؛ فمثلًا شمس الدين كباشي القادم من جنوب كردفان، وإبراهيم جابر المنتمي للرزيقات، يقدَّمان في الواجهة بوصفهما دليل تنوع وتمثيل، بينما الواقع أن وجودهما — مهما علت الرتب — يظل محكومًا بسقف غير مرئي ترسمه شبكة النفوذ المسيطرة. فهؤلاء لا يملكون الظهير المؤسسي الحقيقي الذي يحمي القرار أو يمنح الاستقلال، بخلاف آخرين تحيط بهم عشرات الرتب والدوائر التي تشكل لهم درعًا وسندًا ونفوذًا متشابكًا. لذلك يبدو بعض أصحاب الرتب الرفيعة بلا حماية فعلية داخل المنظومة نفسها، فتراهم أضعف موقعًا وأقل قدرة على التأثير، لا لقصور شخصي بل لخلل بنيوي يجعل الولاء للشبكة مقدَّمًا على الكفاءة، والانتماء الضيق مقدمًا على المهنية.
أما المفارقة الأشد قسوة، فهي أن أقاليم كاملة بثقلها البشري والتاريخي — مثل الجزيرة — تقف بلا عنوان حقيقي داخل مراكز القرار، كأن ملايين السكان مجرد رقم ديموغرافي لا وزن سياسي له. وبالعودة إلى جوهر القضية نجد أن مقولة “جيش واحد شعب واحد” ليست سوى واحدة من أدوات سيطرة التنظيم على مصير البلاد وربطها بجيش لا يمثل السودانيين وإنما يمثل فئة بعينها. والظاهر أن هذا الجيش لا يذهب بعيدًا إطلاقًا عن طموحات تلك الفئة، فهو الحامي لمصالحها وحواضنها، وهو القادر — إن هُددت مصالحها — على أن يبطش بالشعب ذاته باسم حمايته. الكارثة أكبر من ذلك، والأغبياء كثر، حتى صار صاحب العقل المتجرد الذي ينظر لمصلحة البلد بضمير مجرمًا بأمر غرف الضلال التنظيمية.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس تغوّل القوة وحده، بل اعتياد الناس عليه؛ فحين يصبح الخلل نظامًا، والاستثناء قاعدة، والتزييف حقيقة رسمية، تدخل البلاد مرحلة الانحدار الصامت. عندها لا يعود السؤال: من يسيطر؟ بل: هل بقي ما يستحق السيطرة أصلًا؟ فالدول لا تُدمَّر فقط بالحروب، بل تُدمَّر حين تُختطف مؤسساتها وتُختزل في جماعة، وحين يُختصر الوطن في شعار، والشعب في هتاف، والتاريخ في رواية واحدة. وحين تصل الأوطان إلى هذه المرحلة، لا يكون الخطر في الحاكم المستبد وحده، بل في البنية التي تصنع ألف مستبد إذا سقط واحد. هنا تبدأ النهاية الحقيقية: حين تظن السلطة أن القبضة تكفي لصناعة الشرعية، وأن الخوف يصلح بديلًا للرضا، وأن الصوت الواحد يمكن أن يخدع أمة كاملة. لكن سنن التاريخ لا تخطئ؛ فكل سلطة قامت على الإقصاء حملت في داخلها بذرة سقوطها، وكل نظام بنى مجده على الصمت سيكتشف متأخرًا أن الصمت كان هدنة لا ولاء، وأن الشعوب قد تؤجل الحساب… لكنها لا تُلغيه.










