السفير . الصادق المقلي .. يكتب : السودان بين هدنة الرباعية وشبح الانهيار الكامل: هل اقتربت ساعة الحسم السياسي؟
في خضم حربٍ أنهكت الدولة ومزّقت النسيج الاجتماعي ودفعت بالملايين إلى النزوح، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت مبادرة

في خضم حربٍ أنهكت الدولة ومزّقت النسيج الاجتماعي ودفعت بالملايين إلى النزوح، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت مبادرة “الرباعية” قد بلغت محطتها الأخيرة، أم أنها ما تزال تمثل الفرصة الواقعية الأخيرة لإنقاذ السودان من السقوط في هاوية الانهيار الشامل.
يرى بعض الإسلاميين وحركات التمرد أن المستشار مسعد بولس قد استنفد أغراضه وبدأ يدور في حلقة مفرغة، غير أن هذا التوصيف يتجاهل حقيقة أن بولس لا يتحرك بصفته الشخصية، بل باعتباره مبعوثًا لأقوى دولة في العالم، دولة مؤسسات تعبّر عبره عن موقف رسمي للولايات المتحدة. وخلال فترة وجيزة، استطاع أن يضمن استقطابًا واسعًا للمنظمات الدولية والحقوقية، وعلى رأسها “الخماسية”، إضافة إلى حضور فاعل في المحافل الدولية الكبرى، من قمة السبع إلى قمة العشرين، ومجلس التعاون الخليجي، وحتى منتدى دافوس ومؤتمر ميونخ للمناخ.
ولأول مرة في تاريخ النزاعات المعاصرة، يجتمع المجتمعان الدولي والإقليمي على توصيف الحرب في السودان باعتبارها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، مع توافق واضح على ضرورة وقفها فورًا. هذا الإجماع غير المسبوق يُحسب، في نظر مراقبين، كأحد أهم إنجازات التحرك الدبلوماسي الأخير.
المعطيات الراهنة تشير إلى أن مبادرة الرباعية قد بلغت الأمتار الأخيرة، وأن إعلان هدنة رسمية قد يتم خلال أسبوع أو أكثر بقليل، سواء وافق طرفا النزاع طوعًا أو تحت ضغط الواقع الدولي والإقليمي. فالدولة تقف على حافة الانهيار، والمواطن ظل يسدد فاتورة الحرب يوميًا وعلى مدار الساعة منذ ثلاث سنوات.
ولا يُستبعد أن يعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان موافقته على المبادرة مع بعض الإيضاحات، خاصة وأن قوات الدعم السريع سبق أن أعلنت قبولها بها كحزمة متكاملة. في المقابل، يظل موقف بعض التيارات الرافضة لأي تسوية سياسية والمراهنة على الحسم العسكري محل تساؤل عميق.
قراءة التاريخ القريب تؤكد أن أي تمرد لم يُحسم عسكريًا خلال عهد الإنقاذ، رغم أن المتمردين آنذاك لم يمتلكوا المسيّرات ولا حظوا بدعم عسكري خارجي بالحجم الراهن، فضلًا عن الحاضنة السياسية والمجتمعية التي يتكئ عليها الصراع الحالي. الأخطر أن الحرب هذه المرة امتدت إلى ولايات لم تعرف من قبل أتون المواجهات المسلحة: الجزيرة، الخرطوم، نهر النيل، الشمالية، وحتى بورتسودان. كما طالت البنية التحتية والمرافق الخدمية، وخلّفت دمارًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق.
النتيجة كارثة إنسانية شاملة: نزوح بالملايين، انهيار قطاعات الصحة والتعليم والزراعة، وتدمير ممنهج لمقدرات الدولة. لذلك، فإن الاعتقاد بأن مبادرة الرباعية قد استنفدت غرضها يبدو، في تقدير كثيرين، ضربًا من الوهم.
حتى لو تحقق “نصر عسكري”، فماذا سيجد المنتصر أمامه؟ جماجم مواطنين وركام وطن. ولن يكون ذلك النصر سوى هزيمة بطعم مختلف. فالأزمة السودانية لم تولد في الخامس عشر من أبريل، بل خرجت من رحم انقلاب أكتوبر 2021، وما ترتب عليه من عزلة دولية وإقليمية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد.
دولة أرهقها الانقلاب، أنهكتها الحرب، شُرّد مواطنوها ودُمّرت بنيتها التحتية، لا يمكن أن تتعافى اقتصاديًا أو تعيد إعمار ما تهدّم بعيدًا عن العون الدولي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: إلى متى تستمر متلازمة فشل النخبة السياسية، عسكرية كانت أم مدنية، في إدارة أزمات البلاد؟ ولماذا يظل البحث عن الحلول خارج الحدود هو الخيار الأسهل؟
ربما آن الأوان أن يحتكم الجميع لصوت العقل، وأن يجنح طرفا الحرب ومن يساندهما إلى السلم، وأن يلتقوا على كلمة سواء تؤسس لـ”كوديسا سودانية” بإجماع وطني خالص، تخرج الوطن الجريح من عنق الزجاجة، وتعيد للمواطن المكلوم حقه في دولة آمنة مستقرة.
فالسودان اليوم لا يحتمل مزيدًا من المكابرة. إما تسوية سياسية شجاعة، أو سقوطٌ لا يُبقي ولا يذر.










