مقال

محمد الحسن أحمد .. يكتب .. أرأيت حرب “الكيزان”؟

​حينما أشعل "الكيزان" حربهم العبثية صبيحة سبت الخامس عشر من أبريل، كنت بشرق مدينة الخرطوم. كانت المرة الأولى التي أُعايش فيها تجربة الحرب بكل مآسيها؛ فمع أول رصاصة انطلقت من فوهة بندقية إسلاموي بالجيش، تلاشت الدولة تماماً، ولزم الجيش ثكناته التي

 

 

حينما أشعل “الكيزان” حربهم العبثية صبيحة سبت الخامس عشر من أبريل، كنت بشرق مدينة الخرطوم. كانت المرة الأولى التي أُعايش فيها تجربة الحرب بكل مآسيها؛ فمع أول رصاصة انطلقت من فوهة بندقية إسلاموي بالجيش، تلاشت الدولة تماماً، ولزم الجيش ثكناته التي رفضها أوان السلم والانتقال المدني. كنا نخشى الرصاص المتطاير بلا هدف، المتساقط كالأمطار، والذي أودى بحياة المئات من المدنيين رغم بعدهم عن مناطق الاشتباك؛ حيث لا قواعد، ولا مبادئ، ولا دولة تحمي مدنياً. وهكذا تمضي الحرب إلى يومنا هذا.
​خرجتُ رفقة أسرتي -بقدرة قادر- إلى ولاية وسيطة، وما إن لبثنا أياماً حتى فرّ جيش “الكيزان” مولياً الدبر، تاركاً الساحة لخصمه. تدبرنا أمرنا وتسللنا حتى بلغنا دولة الإمارات العربية المتحدة لاجئين فيها، وباحثين عن أمن وحياة وعيش كريم، وكان لنا ما أردنا في “ديار زايد الخير” التي أكرمت وفادتنا فطاب لنا المقام.
​وما بين سبتٍ هناك وسبتٍ هنا، وفي ذات الشهر الكريم، اندلعت حربٌ أخرى؛ إذ أطلقت إسرائيل وابلاً من الصواريخ على الجمهورية الإيرانية، أودت بحياة قيادات عليا، فكان الرد أن أرسلت إيران صواريخها ومسيراتها، مستهدفةً -كما تزعم- القواعد الأمريكية، ومستثنيةً القاعدة التي انطلقت منها الطائرات لضرب طهران في دولة تركيا.
​كان لدولة الإمارات العربية المتحدة نصيب الأسد من الصواريخ والمسيرات التي تعامل معها جيش الدولة كما يجب، فأسقط ما يربو على 90% منها. وعلى الأرض الطيبة، ظل كل شيء كما هو؛ فالأمن يُحس ولا يُرى، والحياة لم تهتز ولو للحظة، والجشع لم يظهر ولو لوهلة، كما يحدث من تجار الدين والأزمات في بلاد السودان وما شابهها.
​بكل وعي ويقظة وشفافية، تعاملت مؤسسات دولة الإمارات مع الحدث؛ توعيةً وتبصيراً وتنويراً بكل ما يقع على الأرض، لا كما تفعل ميليشيات “الكيزان” التي تتكتم حتى اللحظة -رغم مرور أكثر من عامين على حربها- على عدد الضحايا والمفقودين. والأدهى والأمرّ أن تطلق غرفها الإعلامية العنان للتصفيق والاحتفاء بما حدث من حرب أقلقت العالم أجمع، لكنهم “صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يبصرون” سوى الخراب، ولا يفرحهم سوى الموت والدمار.
​يدرك كل صاحب ضمير حر ونفس سوية مأساة الحروب ومآلاتها الكارثية. ومن العجب أن بلادنا تكاد تكون الوحيدة التي لم يصمت فيها صوت الرصاص سوى 10 سنوات من جملة 71 عاماً، لكن الذين في قلوبهم مرض جبلت أنفسهم على حب إشعال الحرائق وإقامة سرادق العزاء، وكره الحياة إلا لأنفسهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى