السفير . أحمد حسين أحمد .. يكتب .. مؤتمر برلين: تمثيلٌ متنازعٌ عليه… وسلامٌ مؤجَّل !
أحدثت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 اصطفافًا وانقسامًا عميقين في المجتمع السوداني، لا سيما في مكوّناته السياسية والمدنية والاجتماعية والقبلية. وهي حرب لا يمكن اختزالها في توصيفٍ مبسّط بوصفها “صراعًا بين جيشين”، بل تمثل نمطًا مركّبًا من الأزمات
أحدثت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 اصطفافًا وانقسامًا عميقين في المجتمع السوداني، لا سيما في مكوّناته السياسية والمدنية والاجتماعية والقبلية. وهي حرب لا يمكن اختزالها في توصيفٍ مبسّط بوصفها “صراعًا بين جيشين”، بل تمثل نمطًا مركّبًا من الأزمات المتداخلة؛ صراع على السلطة، وانهيار في بنية الدولة، وعسكرة للسياسة، واقتصاد حرب قائم على النهب، وتدخّلات إقليمية متفاوتة، رافقتها كلفة إنسانية غير مسبوقة.
في خضم هذا المشهد المعقّد، سارعت غالبية القوى السياسية والمدنية والحركات المسلحة إلى الاصطفاف مع أحد طرفي الحرب. وقد تباينت دوافع هذا الاصطفاف بين حسابات خاصة، ومصالح تنظيمية، وسعي إلى التموقع أو التكسب، أو ما اصطلح على تسميته “الانحياز التكتيكي”. وبالضرورة، لا يمكن نفي أن بعض المجموعات تحرّكت بدافع وطني صادق، لكنها وقعت في خطأ التقدير السياسي، لا في سوء النيّة. غير أن المحصلة العامة كانت إضعاف الخطاب المدني المستقل، وتآكل قدرته على لعب دور جامع وفاعل.
وسط هذا الواقع المأزوم، يُتوقَّع أن تستضيف العاصمة الألمانية برلين في الخامس عشر من أبريل الجاري النسخة الثالثة من مؤتمر “دعم السلام وإعادة الإعمار في السودان”، ضمن الجهود الدولية الرامية لمعالجة الأزمة السودانية على المستويين السياسي والإنساني. غير أن التساؤل المشروع الذي يسبق الحديث عن ترتيبات مؤتمر برلين هو: ما جدوى وفعالية مؤتمرات المانحين، في السودان وفي الإقليم، بوصفها أداة للإسهام في السلام؟
من حيث المبدأ، أُنشئت مؤتمرات المانحين لتؤدي ثلاث وظائف رئيسية: تعبئة الموارد المالية، وإظهار حد أدنى من الإجماع السياسي الدولي، وتخفيف الأثر الإنساني العاجل. وفي أفضل حالاتها، قد تسهم هذه المؤتمرات في إنقاذ الأرواح على المدى القصير، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، وربما الحؤول دون الانهيار الكامل. لكنها، بطبيعتها، غير قادرة على إنهاء الحروب، أو تغيير موازين القوة المسلحة، أو بناء شرعية سياسية، أو معالجة جذور الصراع. والخطأ الأكثر شيوعًا – والأكثر خطورة – هو التعامل مع هذه المؤتمرات باعتبارها بديلًا للعملية السياسية أو الأمنية، وهو ما يتهدّد بأن يعيد مؤتمر برلين إنتاجه.
تجربة السودان مع مؤتمرات المانحين واضحة ومكشوفة. فمنذ عام 2004 عُقدت خمسة مؤتمرات رئيسية: أوسلو (2005)، باريس (2021)، برلين (2020)، باريس (2024)، ولندن (2025). والمحصلة الواقعية واحدة: تدفقت أموال، تكرّست أزمات، ولم يتحقق سلام مستدام. ويمكن إجمال أسباب هذا الفشل في عوامل بنيوية، أبرزها غياب الشريك الوطني القادر، وضعف المؤسسات، وتحول الصراع إلى حرب داخل الدولة لا على أطرافها، فضلًا عن التسييس المفرط للمساعدات. وهو نمط لا يقتصر على السودان، بل يتكرر في أزمات الإقليم العربي من اليمن إلى سوريا وليبيا والعراق وفلسطين.
ولعل من المفيد هنا استحضار تجربة مؤتمر أوسلو 2005. فقد بدأ الإعداد له خلال مفاوضات اتفاق السلام الشامل في نيروبي عام 2004، وكان جزءًا من ترتيبات سياسية قائمة وموقّعة. يومها، بلغت التعهدات نحو 4.8 مليار دولار للفترة (2005–2007)، عبر صندوق ائتماني متعدد المانحين أُدير بواسطة البنك الدولي. لكن، ورغم هذا الزخم، لم يتجاوز الصرف الفعلي نحو 18% من حجم التعهدات، بسبب تعقيد الإجراءات وضعف القدرات الوطنية. ومع ذلك، تحقق تحسّن نسبي في جنوب السودان، بينما عُزلت دارفور عمليًا، وبرز ضعف التنسيق والحوكمة والربط بين السلام والأمن، وهو ما خلّف آثارًا إقليمية غير متوازنة ما زالت تداعياتها تتفجر حتى اليوم.
تأتي النسخة الثالثة من مؤتمر برلين في سياق أكثر خطورة. إذ لم يعد الخلاف محصورًا في الأولويات أو الأدوات، بل تحوّل إلى نزاع منهجي حول التمثيل والمشاركة. وبدل أن يكون المؤتمر داعمًا لعملية سودانية، بات ساحة صراع سياسي سوداني–سوداني بالوكالة، بل وشهد تحولًا مقلقًا حين أُسند للاجتماع التحضيري دور تشكيل لجنة لإدارة “الحوار السوداني–السوداني”، بما يعني انتقال المؤتمر من دعم العملية إلى محاولة تشكيلها. وكان الأجدر بالقوى المدنية أن تبادر بنفسها إلى تنظيم اجتماع تحضيري مستقل، تُعيد فيه ترتيب صفوفها، وتبلور أجندة متوافقًا عليها، بدل الاتكال على الخارج والتهافت على حضور بلا رؤية أو منهج.
وتتفاقم الأزمة مع اختلال معايير المشاركة، التي تُركت للآلية الخماسية، وأسفرت – بحسب اتهامات واسعة – عن هيمنة فاعل أو فاعلين على حساب بقية القوى، بما جعل مسألة التمثيل ليست إجراءً تنظيميًا، بل جوهر الصراع السياسي نفسه. هذه الاختلالات وضعت المجتمع الدولي في موضع اتهام صريح بعدم الحياد، وأعادت إلى الأذهان ذاكرة الفشل المزمنة لمثل هذه المنصات.
إن الدرس الأوضح من كل ذلك هو أن استعادة المبادرة تظل مسؤولية سودانية خالصة. فلا سلام يُبنى في القاعات ما لم تُبادر القوى المدنية إلى توحيد موقفها، وإبعاد الأطراف المسلحة عن الفضاء المدني، وإعادة تقييم مواقفها الوطنية على أساس واضح: الانحياز الصريح لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وبناء دولة مدنية ديمقراطية. أما المجتمع الدولي، فدوره المشروع ينبغي أن يقتصر على التيسير والتسهيل والدعم الفني والإنساني، لا هندسة الشأن الداخلي أو فرض صيغ تمثيل أو مسارات سياسية.
فالهندسة السياسية للسودان شأنٌ سوداني خالص، وأي محاولة لانتزاعه من أهله، مهما حسنت نواياها، لن تنتج سلامًا، بل تؤجله وتضاعف كلفته.
احمد حسين احمد
3 أبريل 2026








