مقال

جمال طيفور .. يكتب .. من يخشى الحقيقة؟ بورتسودان تعيد إنتاج إرث الإنقاذ في الهروب من العدالة

تواجه سلطة بورتسودان اليوم واحدة من أخطر أزماتها السياسية والأخلاقية. فهي تطالب المجتمع الدولي بتصديق روايتها عن الحرب، ثم تغلق الأبواب أمام الجهة الوحيدة القادرة على اختبار صدقية تلك الرواية.

 

 

 

      تواجه سلطة بورتسودان اليوم واحدة من أخطر أزماتها السياسية والأخلاقية. فهي تطالب المجتمع الدولي بتصديق روايتها عن الحرب، ثم تغلق الأبواب أمام الجهة الوحيدة القادرة على اختبار صدقية تلك الرواية.

منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لم تتوقف السلطة عن التأكيد أنها تقاتل دفاعاً عن الدولة، وتحمي المدنيين، وتلتزم بالقانون الدولي الإنساني. غير أن هذا الخطاب يصطدم بحقيقة يصعب تجاوزها؛ فمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتمد قراراً يطلب من بعثة تقصي الحقائق المستقلة التحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها في مدينة الأبيض، ورفع تقرير مفصل إلى المجلس، بينما تصر سلطة بورتسودان على منع البعثة من دخول السودان.

هنا تفقد سلطة بورتسودان صدقيتها بالكامل. فالسلطة التي تمنع الوصول إلى مسرح الأحداث تحوّل الشك إلى سؤال مشروع، وتمنح خصومها ما كانوا يعجزون عن الحصول عليه: قرينة سياسية على أن الحقيقة ليست في صالحها.

وليس ما يجري اليوم سلوكاً استثنائياً فرضته الحرب، وإنما امتداد لنهج سياسي عرفه السودانيون منذ عقود. فعندما اندلعت حرب دارفور عام 2003، أنكرت حكومة الإنقاذ، السلف الشرعي لنظام البرهان/كرتي، وقوع الجرائم، ثم قاومت لجان التحقيق الدولية، ورفضت التعاون الكامل مع الأمم المتحدة، وهاجمت المحكمة الجنائية الدولية بعد صدور مذكرة التوقيف بحق المخلوع عمر البشير عام 2009، معتبرة أن كل ما يجري مؤامرة تستهدف السودان. وفي العام نفسه أقدمت على طرد ثلاث عشرة منظمة إنسانية دولية، في واحدة من أكبر عمليات الطرد التي شهدها العمل الإنساني، الأمر الذي فاقم معاناة مئات الآلاف من المدنيين، ولم يؤدِّ إلى إسكات الاتهامات، وإنما عمّق عزلة السودان ورسخ الشكوك في الرواية الرسمية.

المفارقة أن سلطة بورتسودان تعيد إنتاج المشهد ذاته، واللغة نفسها، والاتهامات نفسها، ورفض لجان التحقيق نفسه، وكأن التجربة السابقة لم تترك درساً واحداً يمكن التعلم منه. إنها إعادة تدوير لسياسات أثبت التاريخ أنها لم تحمِ دولة، ولم تمنع مساءلة، ولم تُكسب نظاماً شرعية، وإنما انتهت بعزلة دولية خانقة، وانهيار سياسي كامل، وثورة شعبية عارمة.

ولذلك لم يعد ملف حقوق الإنسان قضية قانونية فحسب، وإنما أصبح أحد معايير الشرعية السياسية في سودان الحرب. فالعالم الذي يبحث اليوم عن مخرج للحرب لا يقف بالسؤال عند خرائط السيطرة العسكرية، وإنما يسأل أيضاً: أي سلطة تحترم القانون؟ وأي سلطة تسمح بالرقابة المستقلة؟ وأي سلطة تمتلك الشجاعة الكافية لفتح ملفاتها أمام المجتمع الدولي؟
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُوجَّه إلى المجتمع الدولي واضحة: لا ينبغي بناء أي اتهامات على حملات إعلامية أو توقعات مسبقة، وإنما على تحقيقات مستقلة ومحايدة تُجرى بعد وقوع الأحداث في الميدان، حيث الشهود، والأدلة، والوثائق، والخبراء.

غير أن هذه العدالة تصبح مستحيلة عندما تُمنع الأداة الوحيدة القادرة على الوصول إلى الحقيقة. فسلطة بورتسودان لا تكتفي برفض نتائج التحقيق قبل صدورها، وإنما ترفض قيام التحقيق نفسه. وهي بذلك تضع نفسها في مواجهة مع أبسط قواعد المنطق؛ إذ لا يمكن المطالبة بتصديق الرواية الرسمية مع إغلاق الطريق أمام أي جهة مستقلة ترغب في اختبارها.
وتأتي هذه السياسة في توقيت بالغ الحساسية. فالمساعي الأمريكية والأممية والإقليمية تتكثف للدفع نحو وقف إطلاق النار وفتح مسار سياسي جديد، وأصبح سجل حقوق الإنسان جزءاً أساسياً من أي نقاش حول مستقبل السلطة في السودان. وفي مثل هذه اللحظة، لا تخسر بورتسودان معركة إعلامية، وإنما تستنزف ما تبقى من رصيدها السياسي والدبلوماسي، وتضعف فرصها في إقناع العالم بأنها شريك يمكن الوثوق به في أي تسوية مقبلة.

إن قضية الأبيض تجاوزت حدود المدينة. لقد أصبحت امتحاناً لمستقبل السودان نفسه. فالسلطة التي تمنع لجان تقصي الحقائق من الدخول لا تحجب الحقيقة عن العالم، وإنما تؤجل ظهورها، وتدفع المجتمع الدولي إلى الاعتقاد بأن ما تخشاه نتائج التحقيق، لا الاتهامات.
ولعل أكثر دروس التاريخ السوداني قسوة أن الإنقاذ لم تسقط لأنها وُجهت إليها الاتهامات، وإنما لأنها اعتقدت أن منع التحقيقات، وتكميم الشهود، وإغلاق الأبواب، كفيل بإلغاء الحقيقة. والحقيقة لا تُلغى. إنها تتأخر فقط، ثم تعود محمّلة بكل ما حاولت السلطة إخفاءه.

واليوم، يبدو أن سلطة بورتسودان تسير على الطريق ذاته، وتكرر الأخطاء ذاتها، وتتوهم أن منع بعثة أممية من دخول السودان سيمنع الحقيقة من الوصول إلى العالم. غير أن التاريخ السوداني يقول شيئاً آخر: من يغلق الباب في وجه الحقيقة، يفتح الباب واسعاً أمام سقوط روايته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى