مقال

محمد مراد بدر .. يكتب .. جريمة الشائعات في السودان: حين تتحول الكلمة إلى سلاح

تمثل ظاهرة الشائعات في السودان واحدة من أخطر الآفات التي تتغذى عليها الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة منذ عقود، وقد تفاقمت بشكل ملحوظ مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 وانهيار

 

 

 

تمثل ظاهرة الشائعات في السودان واحدة من أخطر الآفات التي تتغذى عليها الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة منذ عقود، وقد تفاقمت بشكل ملحوظ مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 وانهيار مؤسسات الدولة التنظيمية والرقابية. الشائعة في السياق السوداني ليست مجرد خبر غير دقيق يتداوله الناس، بل أصبحت أداة منظمة تُستخدم من أطراف متعددة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية.

*جذور الظاهرة*
تتغذى الشائعات في السودان على أرضية خصبة من غياب الإعلام المهني المستقل، وانهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية على اختلاف أطرافها، سواء كانت تابعة للجيش أو لقوات الدعم السريع أو لأي كيان سياسي آخر. حين يفقد المواطن مصدراً موثوقاً للمعلومة، يصبح فريسة سهلة لكل ما يُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة واتساب وفيسبوك، التي تحولت إلى المصدر الرئيسي للأخبار لدى غالبية السودانيين في ظل تعطل أو تسييس وسائل الإعلام التقليدية.

يتوه السودانيون يومياً في فضاء واسع من الشائعات المرتبطة بأخبار الحرب التي تبثها مئات الصفحات المدارة من طرفي القتال، إذ يخصص كلا الطرفين غرف عمليات لإدارة “المعارك الإعلامية”، مستخدماً مئات الإعلاميين والصحفيين لتوصيل رسائله عبر واتساب وفيسبوك وتويتر ويوتيوب، وهي منصات يستخدمها نحو 10 ملايين سوداني. هذا الواقع يؤكد أن الشائعة في السودان ليست فعلاً عشوائياً فردياً، بل عملية منظمة تُدار باحترافية من الطرفين المتحاربين على حد سواء، وهو ما يضع وزراً متساوياً على الجميع بعيداً عن تحميل طرف بعينه كامل المسؤولية.

كما أن انقسام المشهد الإعلامي السوداني بين منابر موالية لطرف أو آخر في الصراع جعل من الصعب على المواطن العادي التمييز بين الخبر والدعاية. فكل طرف من أطراف النزاع، وكذلك القوى السياسية المتنافسة، لديه مصلحة مباشرة في توظيف المعلومات المضللة لتحقيق مكاسب آنية، سواء عبر تضخيم الانتصارات أو التقليل من الخسائر أو شيطنة الخصوم أو بث الذعر في صفوف المدنيين لأغراض تتعلق بالنزوح القسري والسيطرة على الموارد.

*نماذج واقعية موثقة من ميدان التضليل*

*حالات من الساحة العسكرية*
تكشف عمليات الرصد المتخصصة في التضليل الرقمي السوداني عن عدد من حالات التضليل التي ثبت زيفها بعد التحقق:

تداولت حسابات مناصرة لقوات الدعم السريع صوراً زعمت أنها توثق استيلاء القوات على منظومة دفاع جوي روسية من نوع “بانتسير” تابعة للقوات المسلحة السودانية. وبعد التحقق، تبين أن الصورة قديمة وليست من السودان أصلاً، لكنها استُخدمت بتاريخ مفبرك لتعزيز الدعاية الحربية.

في حالة أخرى، انتشرت صورة لخبر يفيد بأن لجنة حصر تابعة لقوات الدعم السريع أحصت أكثر من مليون مجند يتبعون لها، في محاولة لتضخيم القوة العسكرية أمام الرأي العام، وبعد الفحص تبين أن الصورة مفبركة بالكامل.

وفي ذروة توسع رقعة الحرب، تداولت حسابات مناصرة للدعم السريع صورة مؤطرة بشعار قناة الجزيرة تزعم رفع درجة الاستعداد الأمني في بورتسودان تحسباً لهجوم وشيك، وبعد التحقق تبين أن الخبر مفبرك بالكامل، ولم تورد قناة الجزيرة أي شيء من هذا القبيل، ولم يحدث رفع لدرجة الاستعداد فعلياً.

وتشير هذه الرصدات إلى أن الفاعلين الداخليين في عمليات التضليل بالسودان ينقسمون إلى أربع فئات رئيسية: جهات داعمة للدعم السريع، وجهات داعمة للجيش وجهاز المخابرات العامة، وجهات ذات توجه إسلامي، وجهات مناهضة للحكم العسكري. فيما يمتد التضليل إلى أطراف خارجية، حيث يساهم فاعلون أجانب من روسيا والإمارات ومصر وإثيوبيا في نشر معلومات زائفة تخلق ضبابية حول الوضع الفعلي في البلاد.

*حالة اقتصادية: شائعة “عقد النحاس” وأرياب للتعدين*
من أحدث الأمثلة على الشائعات ذات الطابع الاقتصادي والاستثماري، ما تردد مؤخراً حول خلاف حاد وقع في بكين خلال مفاوضات بشأن مشروع نحاس شرق السودان، حيث زعمت عدة مواقع إخبارية أن وزير المعادن السوداني نور الدائم طه وقّع اتفاقاً مع شركة صينية، فيما رفض مدير شركة أرياب للتعدين نصر الدين الحسين التوقيع على الصفقة وغادر مقر المفاوضات غاضباً، مع تكهنات رافقت الخبر بأن الوزير قد يقدم على إقالة مدير الشركة على خلفية موقفه الرافض.

غير أن مدير شركة أرياب نفسه خرج لاحقاً لينفي هذه الرواية بشكل مباشر، موضحاً ملابسات توقيع اتفاق النحاس في الصين، ونافياً أنه احتج أو انسحب من الاجتماعات، في رد صريح على الروايات التي زعمت انسحابه ومغادرته اجتماعات توقيع الاتفاقية بداعي الاحتجاج.

تكتسب هذه الحالة أهمية خاصة لأنها تكشف بُعداً أعمق من مجرد الخبر الكاذب بحد ذاته: فالأرضية التي نمت فيها الشائعة لم تكن فارغة، بل جاءت في سياق احتقان حقيقي وقائم بشأن ملف النحاس في شرق السودان. فقد سبق ذلك بأيام بيان صادر عن المجلس الاستشاري لشرق السودان طالب فيه بالتوقف الفوري عن توقيع أي اتفاقات أو تفاهمات تتعلق بثروات شرق السودان المعدنية، وفي مقدمتها النحاس، إلى حين توقف الحرب وإحلال سلام شامل يضمن الحقوق كاملة، منتقداً اعتزام وزير المعادن المغادرة إلى الصين لمنح مربعات تعدين النحاس وإبرام عقود مصيرية دون وجود مجلس تشريعي قومي يصادق عليها. كما أن المنطقة شهدت قبل ذلك بأشهر احتجاجات أغلق خلالها محتجون مباني الشركة في بورتسودان مطالبين بإقالة وزير المعادن ومدير الشركة معاً.

هذا السياق يفسر لماذا وجدت شائعة “الانسحاب الاحتجاجي” بيئة خصبة للانتشار والتصديق السريع: فهي لم تأتِ من فراغ، بل استثمرت في حالة عدم رضا شعبي موثقة ومسبقة تجاه طريقة إدارة ملف ثروات شرق السودان، ما يجعلها نموذجاً دقيقاً لكيفية توظيف الشائعة الاقتصادية لتأكيد سردية سياسية قائمة أصلاً، بصرف النظر عن دقة تفاصيلها الفعلية. وهنا يكمن جوهر الخطورة: ليس فقط في الخبر الكاذب نفسه، بل في قابليته للتصديق بسبب أزمة ثقة أعمق وأسبق بين المواطن والمؤسسة.

*الأثر على الاقتصاد*
ينعكس هذا الواقع بوضوح على الاقتصاد السوداني المنهك أصلاً، إذ تلعب الشائعات حول سعر الصرف، أو إغلاق المعابر، أو نقص السلع الأساسية، أو كما رأينا في حالة عقود الثروات المعدنية، دوراً مباشراً في تأجيج الذعر وتعميق أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. كثيراً ما تُسبق موجات الارتفاع الحاد في سعر الدولار أو الوقود بشائعات منظمة يصعب تتبع مصدرها، وهو ما يفتح الباب أمام تكهنات حول ضلوع شبكات مصالح تستفيد من حالة عدم اليقين، سواء كانت هذه الشبكات مرتبطة بأطراف رسمية أو بتجار وسماسرة العملة.

*غياب الرادع القانوني*
من الناحية القانونية، يعاني السودان من فراغ تشريعي حقيقي في التعامل مع جرائم المعلومات المضللة. القوانين القائمة، حين تُستخدم، غالباً ما تُوظف بشكل انتقائي لقمع المعارضين والصحفيين والناشطين بدلاً من ملاحقة الجهات المنظمة التي تدير حملات التضليل الممنهجة. هذه الازدواجية تُضعف ثقة المواطن في أي تشريع مستقبلي يُطرح تحت مسمى “مكافحة الشائعات”، إذ يُنظر إليه غالباً كأداة لتكميم الأفواه أكثر من كونه حماية للمجتمع، وهذا التخوف له ما يبرره في ظل تاريخ طويل من استخدام قوانين الطوارئ والأمن الوطني لقمع حرية التعبير في عهود سياسية متعاقبة، وليس فقط في الفترة الحالية.

*المسؤولية المشتركة*
من المهم التأكيد على أن مسؤولية هذه الأزمة لا تقع على طرف سياسي أو عسكري بعينه، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين:

أطراف النزاع المسلح التي توظف الحرب النفسية والمعلوماتية كجزء من استراتيجياتها العسكرية، والقوى السياسية والمؤسسات الحكومية التي قد يساهم غموض قراراتها أو ضعف تواصلها في خلق بيئة خصبة للتكهنات كما في حالة ملف النحاس، والمنابر الإعلامية التي تتسرع أحياناً في نشر روايات غير مؤكدة دون انتظار التحقق أو الرد الرسمي، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تفتقر لآليات فعالة لضبط المحتوى باللغة العربية واللهجة السودانية تحديداً، والمواطن نفسه حين يساهم في إعادة نشر المعلومات دون تحقق، مدفوعاً بالقلق المشروع على مصيره ومصير أسرته ومصير ثروات بلاده في ظل الحرب.

*نحو معالجة متوازنة*
لا يمكن لأي حل أن يكون فعالاً ما لم يقم على ثلاثة أسس: استقلالية فعلية للمؤسسات الإعلامية والرقابية بعيداً عن هيمنة أي طرف في الصراع، وتشريع قانوني يُجرّم التضليل الممنهج دون أن يتحول إلى أداة لقمع حرية الرأي والصحافة، وبرامج توعية مجتمعية تعزز مهارات التحقق من المعلومة لدى المواطن العادي، خاصة في ظل اعتماده شبه الكامل على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر إخباري. كما تكشف حالة عقد النحاس أن جزءاً مهماً من الحل يقع أيضاً على عاتق المؤسسات الرسمية نفسها، التي ينبغي أن تبادر بالشفافية والتواصل السريع والواضح مع الرأي العام، بدل ترك الفراغ لتملأه الروايات المتضاربة.

في النهاية، تظل معالجة جريمة الشائعات في السودان مرتبطة عضوياً بمعالجة الأزمة السياسية الأشمل؛ فطالما استمرت حالة الانقسام وغياب سلطة موحدة ذات شرعية وثقة شعبية، ستبقى الشائعة أداة حرب ومكسباً سياسياً مربحاً لكل من يديرها، ويبقى المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة لهذا الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى