تقارير

حرب السودان.. عندما أصبحت المستشفيات ميادين قتال.. المسيّرات تقلّل خسائر الجبهات وتحصد أرواح المرضى والمدنيين

أحيت مدينة بورتسودان، اليوم، ذكرى ثورة 30 يونيو عبر وقفات احتجاجية شهدتها عدة مواقع بالمدينة، في تجديد للمطالب الشعبية الداعية إلى إنهاء الحرب واستعادة مسار الحكم المدني.

 

 

تقرير : مهاد عبدالباقي

 

 

Oplus_131072

 

 

   منذ اندلاع الحرب في السودان، التي دخلت عامها الرابع ، تحولت المستشفيات والمرافق الصحية من ملاذ لإنقاذ الأرواح إلى أهداف مباشرة للعمليات العسكرية. وبين القصف الجوي والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، وجد آلاف المرضى والجرحى أنفسهم يواجهون الموت داخل أماكن يفترض أنها الأكثر أمناً.
وتبادل طرفا النزاع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، استهداف المنشآت الطبية في مناطق سيطرة كل منهما، الأمر الذي أدى إلى مقتل وإصابة أعداد كبيرة من المدنيين والكوادر الطبية، وتدمير البنية الصحية في أنحاء واسعة من البلاد.
المستشفيات… من مراكز علاج إلى أهداف عسكرية
بدأ استهداف المستشفيات في الأيام الأولى للحرب، عندما قصفت طائرات الجيش السوداني، في 17 أبريل 2023، مستشفى الخرطوم الحكومي القريب من القيادة العامة للجيش، لتبدأ بذلك سلسلة طويلة من الهجمات على المنشآت الصحية.
ومع تراجع دور الطيران الحربي بسبب الدفاعات الجوية، اتجه الجيش إلى استخدام المسيّرات الإستراتيجية بعيدة المدى ذات القدرة التدميرية العالية، بينما استخدمت قوات الدعم السريع بدورها المسيّرات الانتحارية والهجومية في استهداف مستشفيات داخل مناطق سيطرة الجيش.
وأسهمت هذه الهجمات، وفق تقديرات متداولة، في خروج أكثر من 80 في المائة من المستشفيات عن الخدمة، لتنهار المنظومة الصحية في بلد يعيش إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
مستشفى الضعين… مجزرة في يوم العيد
مثّل قصف مستشفى مدينة الضعين، بولاية شرق دارفور، أحدث حلقات استهداف المرافق الطبية، بعدما أسفر الهجوم بطائرة مسيّرة عن سقوط 153 ضحية، بينهم 64 قتيلاً، منهم 13 طفلاً و7 نساء، بينهن اثنتان من الكادر الطبي، إضافة إلى 44 رجلاً أحدهم طبيب، فيما بلغ عدد المصابين 89 شخصاً، بينهم ثمانية من العاملين في المجال الصحي.
وقالت وزارة الصحة المحلية في الإقليم إن القصف أدى إلى تدمير المستشفى بالكامل وإخراجه عن الخدمة، موضحة أنه المستشفى المرجعي الوحيد الذي يخدم نحو 3.5 مليون نسمة، بينهم آلاف النازحين واللاجئين.

 

 

ناجون من الحرب… ولحق بهم الموت داخل المستشفى

 

 

 

Oplus_0

 

كان معظم ضحايا مستشفى الضعين من النازحين الذين فروا من القتال في كردفان والخرطوم إلى شرق دارفور، باعتبارها واحدة من المناطق التي لم تشهد مواجهات برية.
ويقول إبراهيم أحمد، شقيق أحد الضحايا، إن شقيقه نجا قبل فترة قصيرة من إصابة بشظايا مسيّرة، وتوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج، “لكن لم يكن يتوقع أن تلحقه المسيّرات إلى سرير العلاج وتنهي حياته داخل المستشفى”.
وأضاف أن المستشفى لم يكن يضم أي مظاهر عسكرية أو مقار قتالية، معتبراً أن استهدافه يمثل “جريمة مكتملة الأركان بحق المدنيين الذين ظنوا أنهم وجدوا مكاناً آمناً بعيداً عن الحرب”.
اتهامات متبادلة واستهداف متكرر
ويقول محمد إدريس، مسؤول ولاية شرق دارفور في حكومة “تأسيس” غير المعترف بها، إن الجيش سبق أن قصف مستشفى الضعين في أغسطس 2024، ما أدى إلى مقتل 22 مريضاً داخل قسم الصحة النفسية، إضافة إلى تدمير قسم العناية المكثفة ووحدة غسيل الكلى، وهو ما تسبب في وفاة المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج فيها.
وأضاف أن الهجمات على المرافق الصحية أصبحت نمطاً متكرراً خلال الحرب.
نيالا والمجلد… المسيّرات تضرب المرافق الصحية
وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، تعرضت عدة مستشفيات في مدينة نيالا ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الدعم السريع لغارات جوية وهجمات بالطائرات المسيّرة.
ففي يونيو 2025، أدى قصف مستشفى مدينة المجلد بولاية غرب كردفان إلى مقتل أكثر من أربعين مدنياً، بينهم 21 شخصاً من أسرة واحدة.
وفي أغسطس من العام نفسه، استهدفت مسيّرة مستشفى “يشفين” الخاص بمدينة نيالا، ما أسفر عن مقتل 14 مدنياً وإصابة أكثر من 22 آخرين، بينما شهد مارس الماضي هجوماً جديداً استهدف محيط مستشفى نيالا التعليمي، وأسفر عن سقوط أكثر من عشرة قتلى، وفق مسؤولين محليين.
الفاشر… الدعم السريع تحت الاتهام
في المقابل، تعرضت مستشفيات مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، لسلسلة من الهجمات خلال فترة الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على المدينة منذ أبريل 2024 وحتى سيطرتها عليها لاحقاً.
ويقول إبراهيم عبدالله خاطر، وزير الصحة السابق بولاية شمال دارفور، إن قوات الدعم السريع قصفت بصورة متكررة مستشفى الفاشر الجنوبي، ومستشفى جبل مرة، ومستشفى مخيم زمزم، والمستشفى السعودي للنساء والتوليد، ومستشفى الأطفال، مما أدى إلى مقتل عشرات المرضى والمرافقين في كل هجوم.
وأضاف أن قوات الدعم السريع حولت مستشفى الأطفال إلى ثكنة عسكرية ثم إلى مركز احتجاز، كما تعرض 13 مركزاً صحياً داخل المدينة للقصف، بينما استُهدف مستشفى الفاشر الجنوبي أكثر من 15 مرة، والمستشفى السعودي للنساء والتوليد أكثر من 23 مرة، إلى جانب قصف مستشفيات العيون والأسنان ومستشفى أم كدادة، الذي قُتل فيه مديره العام، فضلاً عن مقتل 35 من الكوادر الطبية بمدينة الفاشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى