تقارير

غرب كردفان.. بين فكي الجوع ونيران الحرب.. حصار يخنق المدنيين وكارثة إنسانية تتفاقم

هيئة مياه ولاية الجزيرة تعلن تسجيل ارتفاع غير مسبوق في عكارة مياه النيل الأزرق بلغت “2880 NTU”، وهي النسبة الأعلى منذ ست سنوات...

 

 

 

تقرير : عبدالباقي جبارة

 

 

   في الوقت الذي تتواصل فيه المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتكشف في ولاية غرب كردفان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة، حيث وجد مئات الآلاف من المدنيين أنفسهم محاصرين بين خطوط القتال، يواجهون الجوع والمرض وانعدام الخدمات الأساسية، في ظل انهيار شبه كامل لسبل الحياة.
وبين الحصار المفروض على الولاية، وتوقف النشاط الاقتصادي والزراعي، والانفلات الأمني، بات الحصول على الغذاء والدواء والمياه تحدياً يومياً، بينما تتزايد المخاوف من اتساع رقعة المجاعة إذا استمر الوضع على حاله.

 

 

 

شهادة من قلب المعاناة

 

 

 يروي “محمد أحمد” (اسم مستعار)، وهو رجل في الخمسين من عمره تبدو على ملامحه آثار سنوات طويلة من المعاناة كأنه بلغ السبعين ، تفاصيل الحياة اليومية داخل مدينة النهود بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها.
ويقول لـ”ترياق نيوز” إنه يقيم مع زوجته المريضة وثلاث بنات دون السابعة عشرة وطفل صغير، بينما كان ابنه الأكبر، البالغ من العمر 21 عاماً، يعمل في التعدين الأهلي لتوفير احتياجات الأسرة.
ويضيف أن دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة حال دون مغادرتهم مع آلاف النازحين بسبب مرض زوجته، قبل أن تنقطع أخبار ابنه تماماً عقب انهيار شبكات الاتصالات.
ويتابع: “كنت أعتمد أيضاً على تربية الأغنام والاحتطاب وبعض مخزون الحبوب، لكنني فقدت معظم الأغنام، بعضها نُهب، والبعض الآخر تعذر الوصول إليه بسبب انتشار المسلحين الذين يشككون في كل من يتحرك بأنه يتبع للطرف الآخر.”

 

 

حصار يقطع شريان الحياة : 

 

 

 

بحسب محمد أحمد، أصبحت غرب كردفان منطقة معزولة بين مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين.
ويقول إن السلطات الحكومية تمنع وصول المواد الغذائية والوقود والأدوية خشية استفادة قوات الدعم السريع منها، بينما لا تبذل القوات المسيطرة على الأرض جهوداً كافية لتوفير الخدمات أو تأمين احتياجات السكان.
ويضيف أن النشاط الزراعي والرعوي والتجاري توقف إلى حد كبير، ولم تعد الأسواق تعمل إلا بصورة محدودة، في وقت نفدت فيه مدخرات معظم الأسر من الغذاء والدواء والكساء، وأصبحت المرافق الصحية شبه خالية من الإمكانات.
ويختتم شهادته قائلاً: “فقدنا كثيراً من أحبائنا، بعضهم قتله الجوع والمرض، وآخرون قضوا برصاص الحرب.”

 

وجبات الفقراء… عنوان للأزمة :

 

 

 

   تكشف إفادات من سكان قرى غرب كردفان عن تدهور غير مسبوق في الأوضاع المعيشية، إذ أصبحت أسر كثيرة تعتمد على “البليلة” و”مديدة الدخن” كوجبات رئيسية، بعد أن عجزت عن شراء مستلزمات إعداد الطعام الأساسية مثل الزيت والبصل واللحوم.

 

 

  ويؤكد مواطنون أن الواقع الإنساني تجاوز كل التصورات، وأن الصراع السياسي والعسكري لم يعد يعني شيئاً أمام الحاجة الملحة لإنقاذ الأرواح وتوفير الغذاء والدواء .

 

 

الأسواق تحت الحصار… والأسعار تشتعل : 

 

 

 

 

   أدى الحصار وتراجع حركة التجارة والإنتاج إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار السلع الأساسية.
وقال عدد من التجار، فضلوا عدم كشف هوياتهم، لـ”ترياق نيوز”، إن ارتفاع الأسعار يعود إلى شح الوارد، وضعف الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل، إضافة إلى الإتاوات التي تفرضها مجموعات مسلحة خارج إطار القانون، فضلاً عن استغلال بعض التجار للأزمة.
وسجلت أسعار السلع مستويات قياسية، حيث بلغ سعر كيلو السكر نحو 11 ألف جنيه سوداني، وكيلو دقيق القمح 8 آلاف جنيه، فيما وصل سعر “ملوة” دقيق الدخن إلى 23 ألف جنيه، و”ملوة” البصل إلى 20 ألف جنيه.
كما بلغ سعر كيلو العدس 14 ألف جنيه، وكيلو الأرز 10 آلاف جنيه، بينما وصل سعر رطل البن إلى 30 ألف جنيه، ورطل الشاي إلى 16 ألف جنيه.

 

 

دخل معدوم… وأمن مفقود : 

 

 

 

   في المقابل، يقابل هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار انعدام شبه كامل لمصادر الدخل، بعد توقف الأنشطة الزراعية والرعوية، وتراجع فرص العمل، إضافة إلى ضعف موسم الأمطار وما ترتب عليه من شح في مياه الشرب.
ويشكو السكان أيضاً من تصاعد الانفلات الأمني، وتكرار عمليات النهب والسلب التي تنفذها مجموعات مسلحة تستخدم سيارات دفع رباعي ودراجات نارية، ما يزيد من حالة الخوف ويقيد حركة المواطنين.

 

 

الإنسان… الضحية الأولى للحرب : 

 

 

 

 

   تكشف الأوضاع في غرب كردفان عن مأساة إنسانية مركبة، يتداخل فيها الحصار مع الجوع، وانهيار الخدمات، والانفلات الأمني، لتدفع الأسر المدنية الثمن الأكبر بعيداً عن ساحات القتال.
وبينما تختلف مستويات المعاناة من منطقة إلى أخرى، يبقى القاسم المشترك هو غياب مقومات الحياة الأساسية، في انتظار حلول إنسانية عاجلة تضمن وصول الغذاء والدواء، وتخفف من وطأة الأزمة على المدنيين.
خاتمة
في غرب كردفان، لم يعد الموت يأتي من فوهات البنادق وحدها، بل بات يتسلل أيضاً عبر الجوع والمرض والعطش. وبين حصار يعيق وصول الإمدادات، وحرب لا تلوح في الأفق مؤشرات قريبة لانتهائها، يقف المدنيون وحيدين في مواجهة كارثة إنسانية تتفاقم يوماً بعد آخر. ويبقى إنقاذ السكان، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، مسؤولية لا تحتمل مزيداً من التأجيل، حتى لا تتحول الولاية إلى واحدة من أكبر مآسي الحرب السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى