تقرير ( ترياق نيوز ) .. الأبيض.. كارثة متجددة تطفو على السطح.. مقارنتها بالفاشر تبسيط مُخلّ.. والمجتمع الدولي غائب عن الحقائق !
خرجتُ باكرًا من منزلي في أحد أحياء الأبيض الطرفية، لعلّي أجد مخبزًا يعمل فأحصل على ما يسدّ رمق أسرتي المكوّنة من ستة أفراد؛ زوجتي وأطفالي الأربعة. جُبتُ الأحياء القريبة دون أن أتمكن من

تقرير: عبدالباقي جبارة

خرجتُ باكرًا من منزلي في أحد أحياء الأبيض الطرفية، لعلّي أجد مخبزًا يعمل فأحصل على ما يسدّ رمق أسرتي المكوّنة من ستة أفراد ؛ زوجتي وأطفالي الأربعة. جُبتُ الأحياء القريبة دون أن أتمكن من الحصول على شيء، فاضطررتُ للذهاب إلى أحد الأسواق بوسط المدينة، في مشوار بلغت تكلفته ستة آلاف جنيه ذهابًا وإيابًا.
مشاهد المدينة كلها تنبئ بخطرٍ محدق؛ فالناس الذين يمرون في الطرقات تبدو على بعضهم ملامح الهزال وكأنهم هياكل عظمية تسترها الملابس البالية. شباب في مقتبل العمر اشتعل الشيب في رؤوسهم، وعيون شاخصة كأنها تترقب الموت في كل لحظة. كل شخص يحمل جرحًا لا يندمل بسبب فقد عزيز نتيجة المسيّرات أو القذائف، بينما تمارس السلطات المحلية سياسات قاسية، وتُشهر سيف الاتهام بالتعاون مع الدعم السريع أو الانتماء إلى حاضنته في وجه كل من يحتج على تردي الخدمات أو يرفض السياسات التعسفية.
كثيرًا ما أسمع أحاديث متداولة داخل الميكروباص: “جارنا تم القبض عليه لأن أحد أقربائه ينتمي للدعم السريع”، أو “فلانة زوجها في السجن لأنه من القبيلة (…)”، لكن التهمة الحقيقية غالبًا هي المجاهرة برفض استمرار الحرب، الأمر الذي يضع أصحاب هذه المواقف في خانة واحدة مع قوى الحرية والتغيير أو تحالف “صمود” المناهض للحرب من خارج البلاد، وهؤلاء يُنظر إليهم باعتبارهم أكثر خطورة من الدعم السريع نفسه.
ويقول “الضو” ــ وهو اسم مستعار ــ في حديثه لـ”ترياق نيوز”: “وصلتُ إلى المدينة ووقفتُ في أحد صفوف المخابز، وهناك يدور حديث أكثر فظاعة من مجرد الغلاء وندرة السلع. وبالطبع لا أحد يتحدث عن نوعية الخبز أو رداءته أو حجمه، فالمهم هو الحصول عليه. سمعتُ من يتحدث عن أسرة فقدت أربعة من أفرادها بسبب إحدى المسيّرات، ورواية أخرى تكاد تكون أقرب للخيال، إذ خرجت أسرة من منزلها لحضور مناسبة اجتماعية، وعند عودتها وجدت أن المقذوفات التي تطلقها المسيّرات أصابت منزلهم وقتلت جميع أفراد الأسرة المجاورة”.
ويضيف: “تُروى هذه القصص المأساوية بينما يدرك الناس أنها ليست نهاية هذا الفصل الدامي من حياتهم، فهم يقفون في صفوف الخبز وهم يتوجسون خيفة، لأن المسيّرات لم تتوقف، وكذلك قذائف الكاتيوشا، والصورة الحقيقية في مدينة الأبيض هي أن لا أحدًا لا يشعر بالأمان”.
ويواصل الضو حديثه قائلاً: “وصلتُ إلى شباك المخبز وحصلتُ على 15 قطعة خبز مقابل خمسة آلاف جنيه، بواقع ثلاث قطع للألف جنيه. وعدتُ إلى منزلي وكأنني بطل متوّج، لأجد أن عدد أفراد الأسرة أصبح 14 فردًا بعد انضمام زوجة شقيقي الغائب وأطفاله، إضافة إلى امرأة أخرى من المعارف وابنها نزحوا من إحدى المدن”.
وأضاف: “دخلتُ المطبخ مع زوجتي لنتدبر الأمر، وقررنا الاحتفاظ بالخبز لليوم التالي واستخدام بعض الدقيق الذي كنا ندخره ليوم أشد قسوة، خاصة أن المخابز مرشحة للتوقف كليًا. وبما أن الخبز الذي أحضرته لا يكفي لهذا العدد، لجأنا إلى الوجبة الشعبية (العصيدة)، ورغم أن تكلفتها أصبحت أعلى من الخبز، فإنها تكفي عددًا أكبر من أفراد الأسرة”.
الأبيض.. الكارثة المتجددة :

تُعد مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، من المدن ذات الموقع الجغرافي المتميز، إذ تقع في قلب السودان تقريبًا، وتُعتبر العاصمة الحقيقية لكردفان الكبرى بولاياتها الثلاث: شمال كردفان، وجنوب كردفان، وغرب كردفان، عندما كانت تُعرف بإقليم كردفان قبل تقسيمه إلى ولايات في عهد حكومة الإنقاذ.
كما تتصدر الأبيض المشهد العالمي باعتبارها أكبر سوق للصمغ العربي، إلى جانب ما تتمتع به من ثروة حيوانية كبيرة. ويربط موقعها الجغرافي بين مختلف أنحاء السودان، إذ ترتبط بشبكة طرق برية تمتد جنوبًا إلى كادوقلي، وشمالًا وشرقًا عبر طريق الصادرات إلى بارا وأم درمان، وشرقًا عبر الطريق القومي الأبيض ـ كوستي ـ الخرطوم، وغربًا عبر طريق الخوي والنهود وأم كدادة والفاشر، إضافة إلى عدد من الطرق الترابية وخطوط السكك الحديدية التي تربط الخرطوم وسنار وكوستي بالأبيض وأبو زبد وبابنوسة.
ومنذ اندلاع الحرب ظلت الأبيض تدفع أثمانًا باهظة، حيث استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين من الخرطوم ومدن شمال كردفان مثل الرهد وأم روابة وبارا، إلى جانب سكان القرى الواقعة على الطريق القومي الأبيض ـ كوستي. ثم تعرضت لحصار عسكري من قبل قوات الدعم السريع، وتحولت إلى ثكنة عسكرية للجيش والقوات المتحالفة معه، وانطلقت منها عدة متحركات عسكرية لاستعادة بارا ومناطق كازقيل والحمادي والدبيبات، وصولًا إلى فك الحصار من جهة الدلنج وفتح الطريق بين الأبيض وكادوقلي. وكانت كلفة كل ذلك باهظة على المواطن البسيط، الذي دفع الثمن قتلاً وتشريدًا وتجويعًا.

الأبيض.. حقيقة ما يجري الآن :

يقول القيادي بحزب الأمة القومي وتحالف “صمود”، المصباح أحمد محمد، في تصريحات خاصة لـ”ترياق نيوز”، إن مدينة الأبيض تحتضن نحو مليونين ومئتي ألف نسمة، من بينهم نحو 800 ألف نازح، وتضم عددًا من معسكرات النزوح التي استقبلت أشخاصًا من سبع ولايات، تشمل ولايات دارفور، وجنوب وغرب كردفان، وولاية الخرطوم.
وأضاف أن الأبيض تُعد اليوم أكبر تجمع للنازحين في غرب ووسط السودان.
الأبيض محاصرة عسكريًا واقتصاديًا :

وأوضح المصباح أن الأبيض تتعرض لحصار عسكري واقتصادي، وأن الوجود العسكري والأمني داخلها يهدد حياة أكثر من مليوني شخص. وبحسب إفادات الأهالي من داخل المدينة، فإن هناك شحًا حادًا في أساسيات الحياة، وعلى رأسها مياه الشرب، حيث تجاوز سعر برميل المياه 25 ألف جنيه مع صعوبة بالغة في الحصول عليه.
كما تشهد المدينة ارتفاعًا فاحشًا في أسعار السلع الأساسية وندرة في الاحتياجات الضرورية، الأمر الذي جعل الجوع والعطش من أبرز المهددات لحياة المواطنين، إلى جانب الخطر المستمر الناتج عن المسيّرات والقذائف.
إحصائيات صادمة :
وأشار المصباح إلى أن الإحصائيات المتوفرة تُظهر أن المسيّرات والقذائف أودت بحياة نحو 80 شخصًا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فضلًا عن أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين.
وأضاف أن المستشفيات والمرافق الصحية الموجودة غير مؤهلة لاستقبال الأعداد المتزايدة من المرضى والجرحى، كما تعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والإمكانات الأساسية لتقديم الخدمات الصحية.
مقارنة الأبيض بالفاشر تبسيط مُخلّ :
ويرى المصباح أن مقارنة وضع الأبيض بمدينة الفاشر تمثل تبسيطًا مخلًا بحجم الكارثة المحتملة، موضحًا أنه عندما سقطت الفاشر بعد حصار استمر أكثر من عام ونصف، كان عدد سكانها أقل من مائة ألف نسمة، بينما تضم الأبيض اليوم أكثر من مليوني نسمة، فضلًا عن الكثافة السكانية العالية في المناطق المحيطة بها.
وأضاف أن أي تصعيد عسكري داخل المدينة قد يؤدي إلى خسائر بشرية هائلة وكوارث إنسانية غير مسبوقة، فضلًا عن تعطيل الطرق التي تربط عدة مدن ومناطق، ما يجعل المطالبة بوقف الحرب ضرورة عاجلة لتجنب كارثة واسعة النطاق.
ماذا يعني سقوط الأبيض؟
بحسب المصباح، فإن سقوط الأبيض نتيجة عمليات عسكرية سيجعل محليات شمال كردفان السبع، وهي: الأبيض، والرهد، وأم روابة، وبارا، وسودري، وأم دم حاج أحمد، وجبرة الشيخ، إضافة إلى أجزاء من محليات جنوب كردفان، عرضة لكارثة إنسانية كبيرة.
وأشار إلى أن عددًا من هذه المناطق يعاني بالفعل منذ اندلاع الحرب من انقطاع الإمدادات الغذائية وتعطل الحركة التجارية وارتفاع المهددات الأمنية، لا سيما بارا وغرب بارا وسودري وحمرة الشيخ، ما يجعل أي تدهور إضافي في الوضع الإنساني بالغ الخطورة.
واقع الوضع العسكري :
ويقول المصباح إن المعلومات الواردة من الميدان تشير إلى وجود كثيف لقوات الدعم السريع في بارا وغرب بارا وامتداداتها حتى سودري، وكذلك في أم صميمة والخوي غربًا، والحمادي والدبيبات جنوبًا.
وأضاف أن وكالات أنباء محلية ودولية، إلى جانب الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات الدولية، حذرت من التصعيد العسكري ودعت إلى خفض التوتر، كما أن هناك تحشيدًا مقابلًا من جانب القوات المسلحة داخل مدينة الأبيض، ما ينذر بإمكانية تحولها إلى ساحة معركة واسعة.
ظلال فشل الحكم عبر أفواه البنادق :
ويرى المصباح أن الحرب عطلت مختلف أوجه الحياة، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على أوضاع المواطنين الإنسانية والمعيشية.
وأشار إلى أن المنظمات العاملة في الأبيض محدودة للغاية، ولا تتجاوز نسبة ضئيلة مقارنة بحجم الاحتياجات، كما أن كثيرًا منها غادر المدينة مع تصاعد المخاطر الأمنية واستمرار استهدافها بالمسيّرات.
وأضاف أن السلطات القائمة تخلت عمليًا عن مسؤولياتها تجاه المواطنين، وانصب اهتمامها على المجهود الحربي، بينما تعطلت المسارات الإنسانية والحركة التجارية، وأصبح الطريق الرابط بين كوستي والأبيض هو الشريان الوحيد المتبقي للحياة، رغم ما يتعرض له من مخاطر مستمرة.
الحل وإنقاذ الموقف :
ويختتم المصباح حديثه بالقول إن الحل الجاد لإنقاذ الوضع يتمثل في وقف الحرب والجلوس إلى طاولة التفاوض، خاصة بعد أن بات واضحًا أن الحسم العسكري غير ممكن لأي من الأطراف.
ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك بجدية واستخدام أدوات ضغط حقيقية لوقف الحرب وإنقاذ المدنيين.
وأضاف أن دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لإيجاد ممرات آمنة لخروج المدنيين من مدينة الأبيض تعكس إدراكًا لحجم الخطر، لكنها في الوقت نفسه تغفل حقائق مهمة على الأرض، أبرزها أن عدد السكان يبلغ الملايين، ولا توجد وسائل كافية لنقلهم، فضلًا عن التساؤل الأساسي: إلى أين سيذهبون؟ خاصة في ظل تجاوز سعر جالون الوقود مائة ألف جنيه، ومعاناة غالبية السكان من الفقر المدقع.
وختم بالقول إن هذه المعطيات تؤكد أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، لا يملك صورة كاملة عن الحقائق الإنسانية القاسية التي يعيشها سكان الأبيض على أرض الواقع.













