محمد مراد بدر .. يكتب .. دبلوماسية العصا العمياء: عقوبات تُفقر الشعب ولا تُفكك الأزمة !
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية دخول الجولة الثانية من العقوبات المفروضة على السودان بموجب "قانون مكافحة ورقابة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية" حيز التنفيذ اعتبارًا من 20 يوليو 2026، بعد أن خلصت واشنطن إلى أن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المطلوبة خلال المهلة المحددة، عقب اتهامها الجيش السوداني

خلفية القرار :
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية دخول الجولة الثانية من العقوبات المفروضة على السودان بموجب “قانون مكافحة ورقابة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية” حيز التنفيذ اعتبارًا من 20 يوليو 2026، بعد أن خلصت واشنطن إلى أن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المطلوبة خلال المهلة المحددة، عقب اتهامها الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة منذ 2023. وقد رفضت الخرطوم هذه الاتهامات مرارًا أمام مجلس الأمن الدولي، مؤكدة عدم تقديم واشنطن أي دليل ملموس رغم عام كامل من التواصل الدبلوماسي، فيما شكّل الجيش لجنة فنية وطنية لتقصي الحقائق قالت واشنطن إنها لا تغني عن تحقيق دولي مستقل. وبين ادعاء يبحث عن دليل، وعقوبة تبحث عن هدف، يبدو القرار أقرب إلى ضربة عصا في الظلام منه إلى سياسة محسوبة العواقب.
أبعاد العقوبات:
تشمل الحزمة الجديدة ثلاثة محاور رئيسية:
١. معارضة واشنطن لأي قروض أو مساعدات مالية وتقنية للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد، الصناديق الإقليمية)،
٢. باستثناء المساعدات الإنسانية. حظر تصدير معظم السلع والتقنيات الأمريكية إلى السودان باستثناء الأغذية، مع مراجعة مشددة للسلع ذات الحساسية الأمنية.
٣. تعليق تصاريح تشغيل شركات الطيران المملوكة للدولة السودانية من وإلى الولايات المتحدة، على أن تسري العقوبات لمدة عام على الأقل.
الأثر الاقتصادي الكلي:
النقطة التي يتفق عليها معظم المتابعين للشأن الاقتصادي السوداني هي أن القيود المالية، لا التجارية، هي الأخطر. فمع اعتماد كثير من المشروعات والبرامج الحكومية على التمويل الخارجي، فإن إغلاق باب القروض والمنح الدولية يحد بشكل كبير من قدرة الدولة على جذب أي استثمار أو دعم موازنة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلًا من تراجع حاد نتيجة الحرب. كما أن القيود، وإن كانت تستهدف الحكومة رسميًا، تمتد آثارها بصورة غير مباشرة إلى قطاعات لا علاقة مباشرة لها بالتمويل الأجنبي، عبر تشديد البنوك المراسلة إجراءاتها، وصعوبة تحويل الإيرادات بالدولار، وزيادة حذر شركات الطيران والشحن الأجنبية في التعامل مع السوق السوداني حتى لو لم تكن مشمولة قانونًا بالحظر.
الأثر على الحياة اليومية للمواطن:
هنا يكمن الفارق بين لغة البيانات الرسمية ولغة الشارع. فالمواطن العادي، الذي فقد بيته أو عمله أو مصدر رزقه بفعل الحرب أصلًا، يجد نفسه أمام موجة ثانية من التضييق لا يد له فيها:
*الدواء والسلع الأساسية*: رغم استثناء الغذاء من الحظر، فإن تعقيد المعاملات المصرفية بالدولار ينعكس على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية وقطع غيار المعدات الحيوية، ما يهدد بتفاقم أزمة القطاع الصحي المنهك أصلًا.
*سعر الصرف والتضخم*: أي تشديد إضافي على قنوات التحويل المالي الرسمية يدفع مزيدًا من النشاط نحو السوق الموازية، ما يضغط على الجنيه السوداني ويغذي التضخم الذي يلتهم أصلًا القدرة الشرائية لأسرة فقدت مدخراتها.
*الطيران والتنقل*: تعليق تصاريح الطيران الحكومي من وإلى أمريكا، وإن بدا محدود الأثر المباشر لضآلة الرحلات القائمة أصلًا، يرسل إشارة سلبية لشركات الطيران والتأمين الدولية، وقد يزيد الحذر تجاه السوق السوداني ككل، فيرفع تكلفة الشحن الجوي للبضائع والمساعدات.
*فرص العمل والاستثمار*: انحسار التمويل الدولي يعني تباطؤًا أكبر في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، وهي القطاعات التي كان يمكن أن تمتص جزءًا من العمالة التي فقدت وظائفها بسبب الحرب.
قراءة متوازنة:
الإنصاف يقتضي التوقف عند حجتين متعارضتين تطرحان أنفسهما بقوة في هذا الملف: من جهة، تصف واشنطن هذه الخطوة بأنها استمرار لمساءلة قانونية عن انتهاك مزعوم لاتفاقية دولية وقّع عليها السودان نفسه، وهو ما يجعلها -من هذه الزاوية- إجراءً مبدئيًا لا عقابيًا جماعيًا. ومن جهة أخرى، اننا ، أن أدوات العقوبات كما صُممت تصيب بصورة أكبر الاقتصاد والمواطن العاديين، بينما تبقى مصادر تمويل الحرب الفعلية -وعلى رأسها الدعم الخارجي غير الرسمي- خارج دائرة الاستهداف، ما يجعل الكلفة الإنسانية تفوق الجدوى السياسية المرجوة.
بين هذين الطرحين، يبقى الثابت الوحيد أن أي تشديد جديد على القنوات المالية والتجارية لدولة تعيش أصلًا أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب توصيف الأمم المتحدة، سينعكس -بصرف النظر عن النوايا- على من هم أضعف حلقة في المعادلة: المواطن الذي لم يعد يملك من رأس المال سوى قدرته على الصمود..
محمد مراد بدر منير
السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦م








