عبدالباقي جبارة يكتب: “فزع الحروف”.. ابحثوا عن السودان تحت “سديري الحباب”!
كثيرًا ما تنظر القوى التقدمية والأجيال المتطلعة إلى الحريات والحداثة إلى تركيبة المجتمع السوداني على أنها بيئة خصبة تتغذى عليها الدكتاتوريات والشموليات، ومطية وحاضنة لقهر المدنيين


كثيرًا ما تنظر القوى التقدمية والأجيال المتطلعة إلى الحريات والحداثة إلى تركيبة المجتمع السوداني على أنها بيئة خصبة تتغذى عليها الدكتاتوريات والشموليات، ومطية وحاضنة لقهر المدنيين الساعين إلى ترسيخ الديمقراطية والدولة المدنية الحديثة. وعماد هذه المكونات التي تقع عليها هذه الحمولة الثقيلة هما الطرق الصوفية والإدارة الأهلية.
أعتقد أن التعريف أعلاه هو النصف الفارغ من الكوب، حيث يرى البعض أن الحل الحقيقي هو تفكيك هذه الكيانات، أي الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، وإلغاء دورها في المجتمع، وبعض المتطرفين يرون إلغاءها من الوجود. وقد تعززت هذه الجزئية، التي تندرج تحت لواء خطاب الكراهية الذي استشرى بعد اندلاع حرب 15 أبريل، والتي كان أحد أسبابها الأساسية مساندة بعض الإدارات الأهلية والطرق الصوفية للعسكر، الأمر الذي أغراهم بالاستيلاء على السلطة وإجهاض حكومة الثورة، ثم تواصل الانهيار حتى اندلاع هذه الحرب، وهذه حقيقة.
أما الجزء الممتلئ من الكوب، ومن باب الإنصاف، فما وقع من أحداث واتهامات للإدارة الأهلية لم تشارك فيه كل الإدارات الأهلية أو كل الطرق الصوفية، وحتى التي شاركت، فهل شاركت كلها بمحض إرادتها ورغبتها، أم كانت مرغمة؟
والسؤال الأهم: هل كان دور الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، على امتداد التاريخ كله، سلبيًا؟ وما الذي يترتب على إلغاء أدوارهما في المجتمع، في مجتمع تقليدي مثل المجتمع السوداني؟ أعتقد أن هذه الأسئلة تحتاج إلى حوار جاد ومنزه عن أي رغبات.
لكن، ومن خلال تجربتنا المتواضعة نحن الفارين من الحرب في منفانا الإجباري، أصبحنا ننظر إلى السودان وكأننا نقف على منصة عالية، بعد اطلاعنا على تفاصيل كثير من المجتمعات في الدول الأخرى، وتأكد لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن واحدة من أبرز العوامل التي تميز الشعب السوداني، في عاداته وتقاليده، عن سائر الشعوب، هو الدور الذي لعبته الإدارة الأهلية والطرق الصوفية. وما يصدر منهما من سلبيات إنما هو حالات سلبية ووقائع ظرفية عابرة، لا يصلح فيها التعميم، ولا يصلح أن تكون جزءًا من أدبيات هذه الكيانات.
هذه الأيام أصبحت لدي قناعات بأهمية فتح حوار جاد حول هذه المسألة، وهذا الحوار، في هذه الجزئية المتعلقة بدور الإدارة الأهلية والطرق الصوفية في مستقبل السودان، سيكون المدخل الصحيح لمعالجة حالة الاستقطاب الحادة، وكذلك وضع حد لخطاب الكراهية المستشري.
وقبل أن أدخل في الجزئية التي دعتني إلى تناول هذا الموضوع، خطر ببالي سؤال: لماذا الذين ترسخت لديهم قناعة بأن الإدارة الأهلية والطرق الصوفية هما العقبة الحقيقية في طريق بناء الدولة السودانية الحديثة، عطفًا على ما بدر من جزء من هذه الكيانات من تحالف مع العسكر، تجاهلوا مواقف مشهودة وأدوارًا لعبتها الإدارات الأهلية والطرق الصوفية في مساندة الثورة والثوار، خاصة في شرق السودان، حتى في أوج هذه الحرب؟ وكذلك الدور المشهود للشيخ الياقوت عندما حمى أبناء دارفور من صلف حكومة الإنقاذ دون وجل، وكذلك أزرق طيبة الذي كانت داره شعلة تضيء طريق الحرية والديمقراطية، وأيضًا الشيخ حمد الجعلي في شمال السودان، الذي ظل يغذي الثورة بالفكر والمواقف الصلبة.
أعتقد أن الأمر بسيط، وهو أن بريق السلطة الزائف الذي توشح به البعض طغى على مواقف أكثر صلابة وأكثر خلودًا، وأدوار لا يمكن تجاوزها.
ما دعاني إلى السرد أعلاه هو لقاءات تكاد تكون قد جاءت بالصدفة، وهي لقاءات اجتماعية بحتة، لا ترتبط بانتماءات ضيقة، ولا علاقة لها بحالة الاستقطاب السائدة الآن.
اللقاء الأول جمعنا بالقيادي البارز مجذوب أبو علي مجذوب، في منزل الزميل عامر حسون بالمنشية، مع نخبة من الزملاء. فالرجل يتسم بهدوء وحصافة أهل الشرق المعهودة، ودار نقاش مستفيض حول المشهد السوداني، ولكنه كأنه ترجم نظراتنا إلى أسئلة أراد الإجابة عليها بحكمة، حيث قال فيما قال:
“نحن في قبيلتنا نجل ناظر القبيلة ونسانده، حتى في المواقف التي نختلف معه فيها، لذلك نرى أن ممارسة رجل الإدارة الأهلية للسياسة تخصم منه أكثر مما تضيف إليه، ويصبح كأنه أسقط عن نفسه حصانة منحتها له قبيلته، لأنه ما دام قد خرج إلى الشأن العام فمن حق أي شخص أن يناقشه ويُبدي رأيه في تصرفاته.”
أما النقطة الثانية التي تحدث فيها، فهي بالفعل تحتاج إلى حوار حقيقي إذا أردنا تغييرًا حقيقيًا، حيث قال:
“نحن في أسرتنا لم نخرج من البرلمان أو الجمعية التأسيسية منذ العام 1953م، كبيت إدارة أهلية ممثل في كل حكومة. أما حديث الثوار بإبعاد كل الذين شاركوا في حكومة الإنقاذ عن مستقبل الحكم في السودان، فإذا طُبق هذا التوجه، فإن قبيلتنا، وهي قبيلة ترك ضمن مكونات البجا، لن يكون لها شخص واحد يؤدي دورًا في مستقبل السودان. والحقيقة الغائبة عن كثيرين أن ليس كل من شارك في الإنقاذ كان إسلاميًا أو مؤتمرًا وطنيًا.”
انتهى كلام مجذوب، وخرجت منه بمفاهيم ليست قطعية، لكنها تؤكد ضرورة فتح حوار مختلف حول هذه القضايا.
أما اللقاء الثاني، فكان بين قبيلة الحباب، وإن جاز لي أن أقول لهم “الأحباب”، لأنهم فعلًا وقولًا أحبة، ولا أعرف أصل التسمية صراحة. حيث زرت، رفقة الزميلين العزيزين الأستاذ عادل سيد أحمد خليفة، والأستاذ خالد أبو شيبة، الناظر كنتباي، ناظر قبيلة الحباب بشرق السودان، في زيارة اجتماعية بحتة بحي الهرم القاهرة ، بمناسبة استشفاء والدته، نسأل الله أن يرد إليها كامل العافية.
وصراحةً، كانت زيارة استشفاء لنا نحن أولًا من ثقل هموم انقسام المجتمع السوداني. لكن صالون الناظر، والتفاف أهله حوله من أعيان القبيلة، بما فيهم وكيل الناظر، وما تجلى من حسن الاستقبال وكرم الضيافة، والكلمات السلسة المرتبة التي صدرت من الناظر ووكيل الناظر وبعض الحضور، تلك الكلمات المليئة بالحكمة والرزانة والحصافة، والتي تعبر عن دور الإدارة الأهلية الحقيقي، تؤكد لك أن السودان ما زال بخير.
ورغم أنهم لم يسترسلوا كثيرًا في الحديث، فإنهم رجال يعرفون أدوارهم تجاه شعبهم كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون كذلك حدود مسؤولياتهم. وهناك أيضًا إصرار عجيب على المحافظة على تماسكهم، وتماسك المجتمع السوداني، الذي هو من تماسكهم حتمًا.
اللقاء لم يكتمل في هذا الجانب، لكننا خرجنا أكثر سعادة، ولنا جولة أخرى لنبحث عن السودان تحت “سديري الحباب”، لعلنا نجد السودان، ولا سيما بأن هذا السديري يكسو صدور رجال عرفوا الحق وعملوا به، وفيه مفتاح مخرجنا الذي نبحث عنه، وسنجده بإذن الله في إنسان الشرق، بنبله وقيمه التاريخية.






