عبدالباقي جبارة .. يكتب : “فزع الحروف”.. بنك السودان ينتصر لـ(الجوكية) !
يوماً بعد يوم تتكشف الحرب الحقيقية التي تُشن على المواطن السوداني، وهي الحرب التي تسحق المواطن وتترك ندوباً لا تندمل. وإن الحرب التي تدور الآن في الميدان، رغم قساوتها، ما هي إلا واحدة من إفرازات حرب المال والسلطة، والذين يخوضون هذه الحرب لا

يوماً بعد يوم تتكشف الحرب الحقيقية التي تُشن على المواطن السوداني، وهي الحرب التي تسحق المواطن وتترك ندوباً لا تندمل. وإن الحرب التي تدور الآن في الميدان، رغم قساوتها، ما هي إلا واحدة من إفرازات حرب المال والسلطة، والذين يخوضون هذه الحرب لا يهمهم عدد الضحايا من القتلى والجرحى والمشردين، لجوءاً ونزوحاً.
والمؤسف، إلى درجة المأساة، أن الذين يدّعون دعم حرب (الكرامة) هم أنفسهم الذين يقودون الحرب الاقتصادية التي تتناسل منها الحروب، ولا ضير لديهم من تبني شعارات الوطنية قولاً، بينما أفعالهم تسير في اتجاه مغاير تماماً. بل إن همهم الأساسي هو استمرار هذه الحرب بأي وسيلة، لأن توقفها بأي شكل كان يعني كشف الغطاء عن أهوال فسادهم الذي تشيب له الولدان.
والأكثر مضاضة أن تُستخدم مؤسسات الدولة كأدوات لتنفيذ المآرب الخاصة لـ(الجوكية). وأمامنا نموذج حي يتمثل في قرارين أصدرهما بنك السودان المركزي، تقريباً في يوم واحد، وكلاهما يصب في مصلحة (الجوكية) ويخدم الاقتصاد الموازي لاقتصاد الدولة. الأول: إلغاء التعاقد مع شركة العسجد الخاصة بالتحويلات المصرفية، والثاني: إلغاء الفئات الصغيرة من العملة الوطنية.
وقبل أن نقول رأينا في هذين القرارين، وقع في يدي رأي خاص بخبير مختص في المجال الإلكتروني والتطبيقات المصرفية، سبق له أن تقدم، قبل الحرب، برؤية تجعل جميع المعاملات في مجالات السياحة والسفر، مثل الفنادق ووكالات السفر والسياحة والطيران، تتم إلكترونياً في الجوانب المالية والحجوزات وغيرها، مع إتاحة اكتشاف الخيارات المتعددة عبر تطبيق واحد، لكن للأسف لم يجد التجاوب من المؤسسات العامة ولا الخاصة.
وفي هذه المساحة نحتفظ باسمه، ونورد ما جاء على لسانه تحت عنوان :
بين خرافة “العمالة” وحقائق “الميدان”: أين كنتم حين كانت EBS تحمي الاقتصاد؟
شهد القطاع المالي السوداني مفارقة عبثية؛ فكلما حاولت مؤسسة تقديم حلول حقيقية، واجهتها جوقة “المشككين” بسلاحين لا ثالث لهما: التخوين والضجيج الإعلامي. لقد ظلت شركة EBS لسنوات هدفاً لهذا النمط من الاستهداف، وحين ظهرت “العسجد” كخيار تنافسي، تكرر السيناريو ذاته تحت غطاء اتهامات “العمالة للإمارات”.
كذبة “العمالة” وفوبيا الاستثمار:
إن تصوير أي شراكة استثمارية على أنها “عمالة” هو هروب بائس من واقع أن العالم لا ينتظر أحداً. فالإمارات، التي كانت “البروكر” المالي للسودان لعقود، لا تحتاج إلى شركة لتكون جسراً لها، وخير دليل إعلان محافظ بنك السودان الأخير عن توفير 400 مليون درهم إماراتي، وتحديد سعر الصرف بـ1220 جنيهاً للدرهم. وهذا “الواقع المالي” يُدار بقرارات الدولة السيادية، لا بالاتهامات التي يطلقها من يعجزون عن بناء بديل.
.. المعارك التي صمتم عنها :
لكل من يتباكى اليوم على EBS، نطرح تساؤلات تكشف “انتقائية الذاكرة”:
أين كنتم عندما كانت EBS تخوض معارك البنية التحتية للتحول الإلكتروني، وتواجه شركات الاتصالات والبنوك التي كانت تحمي مصالحها الضيقة؟
أين كنتم عندما كانت الشركة تحارب “تجارة الرصيد” وتطبق معايير (AML) ومكافحة تمويل الإرهاب، بينما كان الاقتصاد السوداني يغرق في العشوائية؟
أين كنتم حين كانت البنوك والشركات تتهافت على موظفي EBS لتغريهم بالانضمام إليها، اعترافاً منها بأنهم “نخبة الكفاءة” التي لا غنى عنها؟
لقد كانت EBS تحارب في الخنادق لحماية الاقتصاد، بينما كان المتباكون يراقبون من مقاعد المتفرجين، أو يشاركون في حملات التشويه.
محاربة الحلول.. نهج لا يبني وطناً:
إن نمط الهجوم الممنهج على EBS بالأمس، وعلى العسجد اليوم، يكشف حقيقة مرة: فالبعض لا يريد إصلاحاً، بل يريد “تعطيلاً”. فبدلاً من دعم رخصة SWIFT التي حصلت عليها EBS مؤخراً، أو التكاتف للحصول على رخصة OFAC لفك الحصار المالي، يختار هؤلاء الانشغال بقصص “العمالة” وتخوين كل من ينجح.
دعوة للارتقاء بالمسؤولية:
إن إصلاح القطاع المالي ليس معركة بين الشركات، بل هو استحقاق وطني. فبدلاً من البكاء والنحيب:
إذا كنتم تملكون خبرة في “الامتثال الدولي”، فلماذا لم تقدموا مبادرة لدعم EBS في مسار OFAC ؟
وإذا كنتم حريصين على الدولة، فلماذا لم تدعموا التحول الرقمي الذي كانت EBS تقوده، بدلاً من عرقلته؟
الخلاصة:
لقد أثبتت EBS أن نجاحها ليس صدفة، بل هو نتيجة تراكم خبرات وعمل شاق، بينما أثبتت حملات “التخوين” أنها مجرد وسيلة للمتفرجين لتغطية عجزهم. والتاريخ لن يذكر إلا من عمل في الميدان، ومن بنى جسور العبور إلى العالمية بامتياز SWIFT، أما “تجار الاتهامات” فمصيرهم أن يظلوا واقفين في أماكنهم، يتباكون على قطار فاتهم، بينما يقوده غيرهم نحو المستقبل.
وللتذكير، فإن شركة EBS شركة مساهمة عامة يساهم فيها بنك السودان، وتعمل تحت رقابته، كما تساهم فيها البنوك والمؤسسات الوطنية الأخرى، ما يعني أنها شركة وطنية خالصة. كما أنه يمكن أن تكون شركة العسجد، أو غيرها في المجال نفسه، مساندة لها، لأن هذا القطاع واسع. وبالتأكيد فإن هذا الحديث ليس دفاعاً عن شركة العسجد أو ضدها، وإنما نريد توصيل فكرة أن الحرب وُجهت لمحاربة الفكرة نفسها، لأنها تتعارض مع مصالح (الجوكية) وملاك الاقتصاد الموازي.
وليس بعيداً عن ذلك، أصدر بنك السودان، في قرار منفصل، قراراً قضى بإلغاء الفئات الصغيرة من العملة الوطنية. وهذا القرار يدعم، بكل تأكيد، وجود الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي. ومثال ذلك: إذا كان لديك مبلغ عشرة ملايين جنيه سوداني، ووجدت أنه سيُرد إليك بالفئات الصغيرة، ففي هذه الحالة ستفضل أن يتم تحويله إليك عبر التطبيقات المصرفية. أما إذا وجدته من فئتي الألف والألفين جنيه، فيمكنك أن تأخذه في جيبك. لذلك فإن القرار السليم، وللتخفيف من حدة التضخم، هو إلغاء الفئات الكبيرة.
فإذا سألنا بنك السودان: ما الفائدة من طباعة الفئات الكبيرة، ما دامت قيمة الجنيه هي نفسها مهما اختلفت فئات العملة؟ فإن الهدف الرئيس هو تسهيل حمل العملات في الجيوب وتخزينها في المنازل، مثل تاجر البصل في الدامر الذي اكتُشفت لديه غرفة مكتظة بالعملة السودانية بمختلف فئاتها.
والأخطر من ذلك أن بنك السودان يعمل بتوجيهات الأجهزة الأمنية، التي لا علاقة لها بالعمل المصرفي وإدارة الاقتصاد. وكما جاء على لسان أحد الصحفيين، فإن إلغاء رخصة العسجد تم بتوجيه من الأجهزة الأمنية. والقائمون على إدارة بنك السودان لا نفترض فيهم الغباء أو الجهل بما نقول، بل يعلمون من الأخطاء أكثر مما نعلم، لكن من أجل حماية مواقعهم الوظيفية، هم مجبرون على تنفيذ توجيهات الأجهزة الأمنية وأصحاب النفوذ في القرار السياسي.
ولا عزاء للجوعى والمرضى، ولأفقر شعب في أغنى بلد.
والله المستعان.
انتظرونا في ملفات أخطر خلال الأيام القادمة، بإذن الله تعالى.











