محمد الأمين عبد النبي ..يكتب .. الأبيض .. معركة تعيد رسم مستقبل السودان
لا تتوقف الطائرات المسيّرة في الأبيض، مهددةً حياة مئات الآلاف من المدنيين الذين يرزحون بالفعل تحت وطأة أوضاع بالغة القسوة. لقد تحولت مدينة الأبيض إلى محط أنظار العالم ومحور تركيز القوى

لا تتوقف الطائرات المسيّرة في الأبيض، مهددةً حياة مئات الآلاف من المدنيين الذين يرزحون بالفعل تحت وطأة أوضاع بالغة القسوة. لقد تحولت مدينة الأبيض إلى محط أنظار العالم ومحور تركيز القوى الدولية؛ رصداً للتحول العسكري والسياسي الاستراتيجي الذي ستحدثه، من إنهاء للتوازنات المحلية، وإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي. فالابيض هي الجسر الاستراتيجي الذي يصل غرب السودان ببقية أقاليمه ومناطقه. وبناءً على ذلك، فإن السيطرة عليها تمثل الورقة التي ستعيد رسم مسارات التفاوض، وتفرض معادلة جديدة، وتُحدث تغييراً جذرياً في الحرب. ومن هنا، يصبح فك الحصار عنها، وحمايتها، صمام الأمان للحفاظ على وحدة السودان.
بات من المعلوم بالضرورة أن الصراع في السودان ليس معزولاً عن بيئته، فهو صدى مباشر وتجسيد حي للتنافس الإقليمي والدولي المحموم. وفي هذا السياق، فإن السيطرة على الأبيض تمثل وسيلة لتحقيق أهداف مشاريع خارجية تحرك وكلاءها كأدوات على رقعة الشطرنج، حتى وإن كان ثمن هذا هو التفتيت والتقسيم. ولن يكون السودان، في هذا السيناريو، استثناءً؛ فهو يسير في النفق المظلم ذاته الذي دخلته العديد من دول الإقليم، فانهارت وحدتها الوطنية، وأصبحت جغرافيتها مرتعاً للعبث والتشظي.
ويبرز هنا السؤال الجوهري، لماذا الأبيض الآن؟ تكمن الإجابة فيما يدور خلف الكواليس؛ حيث تشير المعطيات إلى مفاوضات سرية يبدو أنها تكرس الأمر الواقع، وتمهد الطريق لطرح مسألة التقسيم التي تتداولها دوائر غربية بوصفها حلاً حتمياً للأزمة.
إن التحركات العسكرية الراهنة تجري وفق حسابات القوى الفاعلة في المشهد، وهي ذات القوى التي تتحكم في قواعد الاشتباك ضمن استراتيجية دولية تهدف إلى إدارة الصراع والاستثمار فيه، لا إلى حله. وبالتالي، فإن حصار الأبيض واستهدافها يقعان في قلب هذه المعادلات والصراعات، وكأن المعركة كانت تنتظر نضوج الظروف الإقليمية والدولية المواتية، وتصدع المعسكرين المتصارعين، لتكون الأبيض الخطوة الأكبر والقفزة الأخطر نحو مفاوضات نيفاشا الجديدة.
لقد أخطأت قوات الدعم السريع في قراءة الواقع في الأبيض؛ وإن اندفاعها نحو السيطرة العسكرية، متجاهلةً الأوضاع الإنسانية وافتقار المواطنين إلى أدنى مقومات الحياة، يكشف خللاً في حساباتها. فامتلاك الكثافة النارية قد يمكنها من السيطرة على المدينة، لكنه بالتأكيد سيعرّي موقفها الأخلاقي ويضعف أوراقها التفاوضية.
وفي المقابل، يواجه الجيش مسؤولية تاريخية تتمثل في حماية المدنيين في الأبيض، وهذه المسؤولية لا تتحقق بتحويل المدينة إلى ميدان حرب، ولا بالانسحاب المعتاد وترك المدنيين فريسة للانتهاكات، وإنما تتحقق بالإقبال الشجاع على عملية تفاوضية، تبدأ الآن، وتضع حماية أهل الأبيض في قمة أولوياتها.
لقد أصبح السودان مكشوفاً أمام الحسابات الإقليمية والدولية، في ظل غياب سلطة شرعية تعمل على ضمان سيادة ومصالح البلاد. وفشل السلطة الموازية، التي عجزت عن إدارة مناطق سيطرتها، فمن البديهي أنها لن تكون قادرة على مراعاة مصالح دول أخرى.
ختاماً؛ إن استهداف الأبيض يمثل مغامرة غير محسوبة العواقب، ولن يحقق مكسباً لأي طرف، وإنما سيفتح الباب على مصراعيه لتدشين السياق الفعلي لتقسيم السودان.





