عبدالباقي جبارة .. يكتب: “فزع الحروف” .. “خلّوا القتلى… سألوا من الديك ! “
في جلسات «العصرية» التي يجتمع فيها بعض المعاشيين لتبادل الذكريات واستعراض تجارب العمر الطويلة، لا تخلو الأحاديث من

في جلسات «العصرية» التي يجتمع فيها بعض المعاشيين لتبادل الذكريات واستعراض تجارب العمر الطويلة، لا تخلو الأحاديث من محاولات تفسير أسباب تعثر السودانيين في إدارة شؤون دولتهم، بل وحتى شؤونهم الخاصة. وبينما كانت النقاشات تتشعب حول الأزمات المتكررة التي تعصف بالبلاد، اتفق الجالسون على أن واحدة من أكبر مشكلاتنا تكمن في الانصراف عن جوهر القضايا والانشغال بالتفاصيل الهامشية، حتى تضيع الحقيقة وسط الضجيج.
وأثناء السمر، توقف بعض المارة وسألوهم: لماذا تضحكون بصوت عالٍ هكذا؟ فروى أحدهم طرفة تحمل في طياتها حكمة بليغة ردًا عليه، وهو يريد أن يثبت سطحية تعاملنا مع القضايا، فقال إن مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق احتجزوا مائة رجل داخل حوش كبير، ومعهم “ديك”، وأوسعوا الجميع ضربًا وتعذيبًا. وما إن انتهى من روايته حتى بادره أحد المستمعين بالسؤال: «طيب… الديك ذنبه شنو؟». عندها انفجر الحاضرون ضاحكين، فقال الراوي: «ما قلت ليكم؟ يخلّوا البشر ويسألوا من الديك ! ».
هي حكاية ساخرة، لكنها تختصر واقعًا كثيرًا ما نعيشه؛ إذ ننصرف عن أصل الأزمة وننشغل بما هو هامشي، فنفقد البوصلة ونترك الأسئلة الكبيرة بلا إجابات .
بالأمس كتبت مقالًا ردًا على إساءات بالغة وجهتها لي الزميلة مها التلب، حيث ، بالرغم من أنني أوردت شهادتي فيها بكل أمانة وقدمت اعتذارًا مسبقًا لما سأورده في ردي، لأنني كنت مرغمًا على ذلك بسبب قسوة ما وجهته لي مها، فإن ما ذكرته يعبر عن موقفها الحقيقي تجاه الحرب، وأنها تريد أن تعبر إلى ضفة “البلبسة”، واتخذتني الحيطة القصيرة، رغم أن ما كتبته لا علاقة له بها شخصيًا، وإنما هو موقفي الشخصي من شخصية عامة.
وصراحةً، اكتفيت بما رددت عليها به، ولا أريد أن أزيد. أما تعاطف بعض الزملاء والزميلات معها فليس لدي عليه أي اعتراض، بل إنني شخصيًا متعاطف معها لأنها بالفعل في موقف لا تُحسد عليه، فهي مكلومة في لحمها ودمها، وقد فقدت أعز أفراد أسرتها، فلهم الرحمة والمغفرة.
لكن ما لم أسمح به أن يتحول التعاطف ومؤازرتها إلى اعتداء على موقفي الأخلاقي والمبدئي، وإلى توجيه أبشع العبارات والإساءات لي، في حين أن ما وجهته لي لم توجهه لمن أشعل الحرب، ولم توجهه لمن قتل ذويها، بل أصبح يخدم موقف من يريد لهؤلاء القتلة أن يستمروا في هذا القتل.
وأنا موقفي الثابت يشهد عليه الله أولًا، ثم كل من يريد لهذا الشعب خيرًا، بأنني ضد هذه الحرب موقفًا ثابتًا دون مزايدات، وضد أي طرف ينتهك حرمات ودماء شعبنا.
ولكنني لم أرد على أي إساءة موجهة من طرف «البلابسة» الواضحة بلبستهم، لأن الحكمة تقول: «ليس بعد الكفر ذنب»، بمعنى أن من ارتضى أن تكون الحرب والقتل والدمار وسيلته لتحقيق أهدافه وغاياته، لا يتورع عن الإساءة لمن يخالفه موقفه الإجرامي.
أما ردي على مها فهو شعور بالخذلان من صوت إعلامي كنت أحسبه يكافح من أجل ترسيخ صوت السلم ومساندة أهل الحق، لا أهل الباطل. وحتى تقصيرها في عكس كثير من الحقائق كنت أنظر إليه بالتماس العذر، لأن سلامتها فوق كل شيء، لكنها للأسف أخرجت مكنونها الحقيقي في لحظة تجلٍ لا تحتمل التخفي، واختارت شخصي الضعيف، الذي لا حيلة له غير ممارسة أضعف الإيمان، وهو استنكار الظلم ولعن الظالم.
وحقيقةً، فإن هذا التوضيح معنيٌّ به في المقام الأول الزملاء والزميلات الذين تحاملوا عليّ، ويعتقدون أنني ظلمت مها. لكن الحقيقة أنه إذا ثبت ذلك فسأعتذر لها على الملأ، ولن «أدغمس» الحقائق كما فعلت.
هذه الزميلة وجهت لي ثلاث إساءات؛ أولها أنها وصفتني بالطيرة باستخدام اسم والدي، وقالت: «يا حبارة»، ثم وصمتني مباشرة، دون مواربة، بأنني أمارس التدليس والأكاذيب.
وطبعًا، فإن معظم الزملاء أمسكوا في النقطة الخاصة بحرف الجيم، وقالوا إنها غلطة مطبعية أو سقطت سهوًا، مثل الذين سألوا عن «الديك» ولم يسألوا عن المائة رجل الذين انتهكت إنسانيتهم.
أولًا، ولعلمكم، أنا ابن بادية، ندأفهم اللغة بالفطرة، حتى وإن كان حظنا من العلوم الدراسية قليلًا. فالزميلة أرادت وصفي بالطيرة بطريقة بهلوانية، بدليل أنها أوردت اسمي صحيحًا وكاملًا ، ثم قالت بعده مباشرة: «يا حبارة»، أي «يا طيرة».
وحتى بعد أن اطلعت على ذلك تجاهلت الأمر ليوم كامل، عسى ولعل أن تصحح ذلك، أو أنها كانت في لحظة غضب فصبّت غضبها على شخصي، ثم كان يمكن أن تحذف هذه الإساءة. لكنها أصرت على ذلك، وتماهت مع الزملاء الذين ركبوا موجة «النقطة سقطت سهوًا».
وما دام أصلًا هناك إقرار بأن هنالك خطأ قد ارتُكب في حق بني آدم خلقه الله إنسانًا، ثم جرى وصفه بالطيرة، فلماذا لا يكون الاعتذار صريحًا؟ ولماذا ممارسة التدليس الحقيقي بإرضاء جوقة المطبلين لهذه النجمة اللامعة؟
وأمامكم، أيها الأعزاء، سواء كنتم تبحثون عن المبررات لزميلتكم مها، فإن جريمتها في حقي أكبر من «نقطة»، بل هي سطر جديد من «البلبسة» التي تصنف الناس على هواها، وكل من لم يركب معها موجة «بل بس».
لكنني أقول: لا للحرب، حتى لو بقيت «طيرة» ساحمل غصن السلام والسلام على من اتبع الهدى ..





