شريط البحر الأحمر السوداني.. كنوز أفريقيا المدفونة بين ثراء الأرض وفقر الإنسان
رغم امتداده على طول 717 كيلومتراً بمحاذاة البحر الأحمر، واحتضانه واحدة من أغنى المناطق بالموارد الطبيعية في القارة الأفريقية، لا يزال الشريط الساحلي السوداني يعاني أوضاعاً

تقرير : محمد مراد بدر منير
رغم امتداده على طول 717 كيلومتراً بمحاذاة البحر الأحمر، واحتضانه واحدة من أغنى المناطق بالموارد الطبيعية في القارة الأفريقية، لا يزال الشريط الساحلي السوداني يعاني أوضاعاً تنموية وإنسانية متردية، في مفارقة يصفها أبناء المنطقة بأنها واحدة من أكثر صور التناقض إيلاماً بين وفرةالموارد وشدة الحرمان:
ويقول الكاتب محمد مراد بدر منير، وهو من أبناء المنطقة، إن الشرق السوداني يقف فوق ثروات هائلة من الذهب والحديد والغاز والمعادن الاستراتيجية والثروة السمكية والمياه الجوفية، بينما يعيش سكانه تحت وطأة الفقر والعطش وضعف الخدمات الأساسية.
الذهب.. حزام معدني يمتد عبر شرق السودان
يُعد الذهب أبرز موارد الشريط الساحلي، حيث يحتضن منجم أرياب، أول منجم ذهب جرى تشغيله في السودان، إلى جانب إنتاجه للنحاس والزنك والفضة.
كما تمتد مكامن الذهب في مناطق الأرباب، وجبيت المعادن، وسيراكويت، وأبيركاتيب، ووادي قببة، ضمن واحد من أغنى الأحزمة الجيولوجية في شرق أفريقيا، مع تسجيل تركيزات عالية تصل في بعض المواقع إلى نحو 100 جرام للطن.
احتياطيات ضخمة من خام الحديد
ويشير التقرير إلى أن منطقة الصفية تضم احتياطياً يقدر بنحو 14 مليون طن من خام الحديد، فيما تمتلك قرورة احتياطياً يبلغ نحو مليوني طن، إضافة إلى منجم فودكوان الذي يحتوي على أكثر من 5.4 مليون طن.
ويلفت إلى أن السودان كان يصدر الحديد من هذه المنطقة إلى يوغسلافيا قبل حرب عام 1967، في وقت ما تزال فيه مناطق الإنتاج تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية.
الغاز الطبيعي.. ثروة لم تستغل
ويستعرض التقرير اكتشاف شركة شيفرون لمكامن الغاز الطبيعي في منطقة سواكن خلال سبعينيات القرن الماضي، إضافة إلى تقديرات تشير إلى وجود احتياطيات تصل إلى 64 مليار متر مكعب من الغاز في المربعات البحرية 13 و15، إلى جانب كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي المسال.
ورغم ذلك، لا تزال مدن الساحل تعاني انقطاع الكهرباء وشح الوقود.
معادن صناعية واستراتيجية
ويؤكد التقرير أن ولاية البحر الأحمر تضم احتياطيات ضخمة من الجبس تقدر بنحو 220 مليون طن شمال بورتسودان، فضلاً عن وجود الرخام في دورديب، والكاولين في شلقونين، واللاستونايت في دريبات، وهي معادن تدخل في صناعات البناء والورق والخزف والبلاستيك.
كما تحتوي منطقة أبوسمر على الباريت والرصاص والنحاس والزنك والفضة والذهب، بينما يضم جبل أبون احتياطياً كبيراً من معدن التنجستين المستخدم في الصناعات العسكرية والفضائية.
الرمال السوداء.. كنز استراتيجي على الشواطئ
ويبرز التقرير أهمية الرمال السوداء المنتشرة على سواحل ترنكتات، والتي تحتوي على معادن استراتيجية مثل الإلمينيت، والمغنيتايت، والروتايل، والزركون، وهي مواد تدخل في صناعات الطيران والطاقة النووية وأشباه الموصلات، وتعد من أكثر المعادن التي تتنافس عليها الدول الصناعية.
ثروة ملحية هائلة :
كما يشير التقرير إلى وجود نحو 40 ملاحة على امتداد الساحل، تغطي مساحة تزيد على 17 ألف فدان، ما يمنح السودان فرصة لإنتاج الملح بتكلفة منخفضة مقارنة بكثير من دول العالم.
ثروة سمكية تنتظر الاستثمار
ويؤكد التقرير أن المياه الإقليمية السودانية تضم أكثر من 250 نوعاً من الأسماك التجارية، إضافة إلى الروبيان والكابوريا والرخويات ومحار اللؤلؤ وخيار البحر، خاصة في خليج دونقوناب والمناطق البحرية المحمية.
ورغم هذه الإمكانات، ما يزال الصيد يعتمد بصورة كبيرة على الوسائل التقليدية، مع محدودية إمكانات التبريد والتصنيع.
المياه الجوفية.. مفارقة العطش فوق الخزانات
ويرى الكاتب أن أكثر المفارقات إيلاماً تتمثل في معاناة مدن الساحل من شح مياه الشرب، رغم وجود خزانات ضخمة من المياه الجوفية تغذيها الأودية والخيران، مثل خور بركة، وخور عرب، وخور أربعات، ووادي الرئيب، وصولاً إلى خور قرورة جنوباً.
ويؤكد أن استغلال هذه الموارد عبر إنشاء الآبار والسدود وشبكات التوزيع يمكن أن يحول أجزاء واسعة من الساحل إلى مناطق زراعية منتجة ويحد من النزوح المتواصل.
بين ثراء الطبيعة وحرمان الإنسان :
ويخلص التقرير إلى أن الشريط الساحلي للبحر الأحمر لا تنقصه الموارد الطبيعية، بل يفتقر إلى التخطيط والاستثمار والإرادة السياسية الكفيلة بتحويل هذه الثروات إلى مشروعات تنموية يستفيد منها سكان المنطقة.
ويؤكد أن البحر الأحمر يمكن أن يمثل بوابة السودان نحو نهضة اقتصادية كبرى، إذا وُضعت ثرواته في خدمة التنمية، وأصبح الإنسان، قبل الموارد، محور الاهتمام الوطني.












