عبدالباقي جبارة .. يكتب ” فزع الحروف ” .. مغادرة أبو عركي لأم درمان… آخر مسمار في نعش حلم العودة إلى الديار !
تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا للفنان السوداني أبو عركي البخيت، أعلن فيه مغادرته منزله بمدينة أم درمان، الذي ظل متمسكًا به منذ اندلاع الحرب، رغم ما شهدته العاصمة من أهوال المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.



تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا للفنان السوداني أبو عركي البخيت، أعلن فيه مغادرته منزله بمدينة أم درمان، الذي ظل متمسكًا به منذ اندلاع الحرب، رغم ما شهدته العاصمة من أهوال المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وخلال أشهر الحرب، أصبح صمود أبو عركي نموذجًا نادرًا للتشبث بالوطن والوفاء للدار، في وقت غادر فيه الملايين قسرًا. ومع انحسار حدة المواجهات، تحول منزله إلى مقصد للزائرين من مختلف الأطراف، يلتقطون الصور معه باعتباره رمزًا للثبات والإصرار، حتى بدا وكأنه أحد معالم العاصمة الراسخة؛ مثل مقرن النيلين، و(القبة البتضوي الليل)، والطابية المقابلة النيل، وبوابة عبد القيوم، فيما كانت ألحانه تحرس المكان وتبعث في النفوس شيئًا من الطمأنينة والأمل.
ظل أبو عركي، شامخًا كطود عظيم، يمثل بارقة أمل للطيور المهاجرة بأن العودة إلى الديار ما تزال ممكنة، وأن خريف السودان سيأتي يومًا محملًا بالمحبة والسلام، وأن قعقعة السلاح ليست سوى سحابة صيف عابرة.
غير أن الرسالة التي كتبها وقرأها بصوته في ذلك المقطع المصور بعد أن غادر منزله بعد ثلاثة سنوات ونصف ظل صامدا في منزله ، جاءت كأنها مرثية مؤلمة للحنين، وإعلانًا بأن لهذه الحرب مخلفات أشد قسوة من هدير المدافع وأزيز الرصاص؛ مخلفات تنال من الأرواح قبل أن تنال من الجدران.
كان آخر أمل لأبي عركي أن تنقشع غيوم الحرب، وأن يعود الأحبة إلى بيوتهم، ليحكي لهم بنفسه تفاصيل الصمود ويوميات البقاء في قلب العاصفة. لكن إرادة الذين تبحر سفنهم عكس تيار السلام والتعايش السلمي ، أصرت أن تكسر حتى هذه الأسطورة الإنسانية.
وهكذا، غادر أبو عركي… آخر المهاجرين من بيته، ولكن هذه المرة بأربعة أجنحة؛ جناحان يرفان، كما تغنى يوما العملاق وردي : “جناحان يرفان يا صحاب”، للقاء الأحبة في منافي الغربة بالمحبة والسلام، وجناحان يحملان زاد العودة إلى الوطن، وإيمانًا لا ينكسر بأن الهزيمة ليست قدرًا، وأن للديار موعدًا لا بد أن يأتي.
وسيعود يومًا… ليغني مرة أخرى، على مسرح مهيرة، بصوته الذي لم تهزمه الحرب:
“عن حبيبتي… أقول لكم.”






