تحقيقات

مفقودو الحرب … بين شبح الموت وحلم العودة! … أكثر من (10)آلاف مفقود ومحتجز لدي الدعم السريع !

فرضت ظروف الحرب غيابهم ، لكنهم ظلوا حضورآ في أذهان أسرهم التي تحاول استيعاب مرارة الفقد . وما بين وعد اللقيا والخوف من

 

تحقيق : ندى بدر

 

 

 

     فرضت ظروف الحرب غيابهم ، لكنهم ظلوا حضورآ في أذهان أسرهم التي تحاول استيعاب مرارة الفقد . وما بين وعد اللقيا والخوف من غياب ابدي يعيش أهالي المفقودين في الحروب الذين تحدثنا الى بعض منهم وكانت حصيلتنا قصص لعدة أسر اعتصر الالم قلبها نتيجة اختفاء أبنائها دون أن تعلم عنهم شيئآ ، بعض من هذه القصص نسطرها في المساحة التالية….*

*اعتقال وغياب!!*

بعد ان تبادل التهاني مع الاهل والأقارب بمناسبة عيد الفطر المبارك ، خرج أحمد عبد السيد حميد من منزله فقد كان يعمل ضمن الحرس الخاص لمنزل أحد الشخصيات النافذة بالدولة ، لم يمض سوى أيام قلائل على اشتعال الحرب بين الجيش والدعم السريع ، احتضن ابنه ذو الأعوام الثلاث مرارآ ، انحدرت دمعة على خده فمسحها الطفل بانامله الصغيرة ، تلك اللمحة كانت لأهله زادآ في لحظات الغياب القاسية ، خرج على عجل ليقع في ايدي أفراد الدعم السريع الذين كانوا ينتشرون في ولاية الخرطوم بكثافة ، وما بين معتقل وآخر قضى أحمد فترة طويلة إلى أن انقطعت اخباره . ما بين الدمع وكلمات تقطر حزنآ سردت لنا سامية ابنة عمة أحمد هذه التفاصيل ، وواصلت قائلة 🙁 لم تطق الأسرة صبرآ في ظل غياب احمد بين غياهب السجون مما جعل ابن عمه يجوب الطرقات راكبآ دراجته البخارية للبحث عنه ، اسمه طارق محمد حميد وكان يعمل في فندق السلام روتانا ، اشتد به القلق على احمد عندما طال غيابه وهو صديق عمره ورفيق الصبا ، أجرى عدة اتصالات مع بعض معارفه في الجيش متسائلآ عما لحق بابن عمه ، لكن سوء الحظ قاده الى طريق به عناصر من الدعم السريع ، وعندما قاموا بتفتيش هاتفه وجدوا فيه أرقام لأفراد من الجيش وتم اعتقاله مباشرة ليجد نفس مصير أحمد … غياب غير معروف المدى) .

*مناطق السيطرة!!*

أثناء الحرب انقسمت ولاية الخرطوم إلى مناطق لسيطرة الجيش وأخرى للدعم السريع ، وفي كلا الحالتين يكون المواطن (كالمستجير من الرمضاء بالنار!!) فإذا تصادف وجوده في منطقة سيطرة الجيش فهو من المخابرات ، وإذا تواجد في مناطق سيطرة الدعم السريع يتهمه الجيش بالتعاون مع المليشيا . منطقة (الفتيحاب) بامدرمان كانت تحت سيطرة الدعم السريع إلى أن استطاع الجيش استعادة السيطرة عليها ، وتم توجيه أصابع الاتهام إلى بعض المواطنين في تلك المنطقة بالتعاون مع المليشيا ، ومن هنا تبدأ مأساة الشاب وليد الذي لم تكن له علاقة باي من طرفي الحرب -حسب إفادة زوجته- كان رمزآ للشجاعة والمرؤة ، يحضر الطعام لأسرة جائعة أو يوصل (جركانة) الماء لامرأة كبيرة حتى منزلها ، لكن كل ذلك لم يشفع له ، وبعد أن فرض الجيش سيطرته على تلك المنطقة غاب وليد وغابت معه الابتسامة عن وجه زوجته التي ما تفتأ تعلل لأطفالها سبب غياب والدهم وتختلق الأسباب المقنعة لهم ، تقول فادية زوجة وليد واصفة لحظات الانتظار القاسية لعودة الغائب :(ما أن يطرق الباب حتى تتسارع نبضات قلبي وتوشك أن تمسك بمقبض الباب قبل يدي عسى ولعل الطارق يكون زوجي الذي لا أعلم مصيره) .

*حماية المنازل!!*

في لمح البصر اشتعلت الحرب بين الجيش والدعم السريع ، ولم يتمكن المواطنون في ولاية الخرطوم من حزم امتعتهم ، وتركوا منازلهم خلفهم بكل اثاثها ، مما أدى لانتشار مجموعة من اللصوص عرفوا باسم (الشفشافة) الذين استغلوا حالة الفوضى وانعدام الأمن في ظل الحرب ووجدوا في بيوت المواطنين لقمة سائغة فتركوها خاوية على عروشها . بعض المواطنين تمسكوا بحقهم في حماية بيوتهم ومنهم محمد جبريل وهو عسكري يسكن في منطقة (الكرياب) بمحلية شرق النيل ، أخذ أسرته إلى إحدى الولايات الآمنة وعاد الى منزله . اثناء وجوده وفي جوف الليل كانت تنطلق صرخات استغاثة من هذا البيت او ذاك ، دائمآ ما يبادر محمد لنجدة المستغيثين والدفاع عن المواطنين ضد أولئك اللصوص ، لكنه اختفى بين عشية وضحاها وحتى هذه اللحظة لم يعرف اهله ما آل اليه حاله .

*حصر المفقودين!!*

كانت امنية والدة أسامة ان تراه ضابطآ ، غمرتها السعادة عند تخرجه في الكلية الحربية ليصبح ضابطآ بالقوات المسلحة ، لكن تلك الفرحة اغتالتها قوات الدعم السريع عندما اعتقلت ابنها من منطقة الكلاكلة بالخرطوم وزجت به في السجن مما جعله يعلن إضرابه عن الطعام ، وتم قطع اخباره عن أسرته التي لا زالت تبحث عنه لكنها لم تجد ما يفيد انه مازال على قيد الحياة . وهناك الكثير من الضباط الاسرى والمفقودين الذين انقطعت وسائل التواصل معهم ولا يعلم اهلهم مصيرهم . تجدر الاشارة الى انه في أغسطس الماضي أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق اول عبدالفتاح البرهان قرارآ بموجبه باشرت لجنة حصر وتبادل المحتجزين عملها وتم إحصاء أكثر من (10) آلاف مفقود ومحتجز لدي قوات الدعم السريع ، وقد اكملت الحكومة ترتيب ملفاتها الخاصة بقائمة أسماء المحتجزين والمفقودين وذلك بناءً على بلاغات ذوي الضحايا ، تجدر الاشارة الى ان القائمة تضم مدنيين ومنسوبي الأجهزة الأمنية الذين تم التحقق من بياناتهم عبر الأوراق الثبوتية الموجودة بحوزة ذويهم ، مع العلم أنه لن يحدث تبادل
للمفقودين دون تحرك مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو .

*مقابر عشوائية!!*

السودان ما بعد الحرب لم يعد يحترم الإنسان حيآ أو ميتآ ، وطيلة الثلاث سنوات الماضية اعتاد الناس في الولايات المتأثرة بالحرب رؤية الجثث ملقاة على قارعة الطريق ، كما انتشرت المقابر العشوائية في الميادين والكثير من المرافق العامة ، ووصل الأمر لدرجة الدفن في المنازل ، كما تم عمل مقبرة لشهداء الكرامة بالقرب من صينية بري بالخرطوم ، وهي منطقة ذات موقع استراتيجي كانت مخضرة وبها الكثير من الأشجار الظليلة . تجدر الإشارة إلى انه تم العثور على مقبرتين جماعيتين قرب ولاية الخرطوم ، وحسب افادات مواطنين أن قوات الدعم السريع نقلت الجثث إلى هاتين المقبرتين من معتقلات مؤقتة ودفنوا عشوائيآ في حفر تم حفرها بآلات ثقيلة ، ولا تقتصر مثل هذه المقابر الجماعية على الخرطوم وحدها بل تمتد إلى ودمدني وكل الولايات المتأثرة بالحرب . الجدير بالذكر ان اتفاقيات جنيف والقانون الدولى الإنساني تلزم الدول وأطراف النزاع بالتعامل مع جثث الموتى بكافة سبل الاحترام والمحافظة على كرامتهم ، وفي الحروب الحديثة يتم أخذ عينات من الحمض النووي (DNA) من الجثة قبل دفنها حتى يتمكن الأهالي واللجان الدولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر من مطابقتها لاحقآ مع العائلات التي تبحث عن المفقودين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى