اعمدة

شول كير أضوم .. يكتب .. “زوايا خفية” . … رواية أخرى (اقرأ وفكر) !

 

 

 

هناك روايات تجعلنا نبتسم في لحظة، ثم تدفعنا إلى الصمت في لحظة أخرى؛ ليس لأنها مضحكة، بل لأنها تكشف لنا شيئا مؤلما عن أنفسنا. وما يحدث في جنوب السودان اليوم يشبه رواية أخرى، رواية تتداخل فيها المأساة مع السخرية، والأمل مع الخوف، والحقيقة مع الأكاذيب.

قد تبدو بعض المشاهد في ظاهرها عادية أو حتى مضحكة، لكن خلفها واقع أكثر قسوة؛ واقع تغذيه الكراهية، وتوسعه الفتن، وتمنحه مساحة أكبر حالة من ضعف الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي. فالمشكلة ليست فقط فيما يقوله الناس، وإنما في الطريقة التي تشكل بها وعيهم، وفي المعلومات التي تصل إليهم، وفي الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تجعل الإنسان أكثر قابلية لتصديق ما يقال له، حتى وإن كان ذلك القول يقوده إلى مزيد من الانقسام.

في جوهر الأزمة، نجد سباقا محموما نحو المناصب. أصبح المنصب عند بعض الناس أكثر من مجرد مسؤولية عامة؛ أصبح طريقا إلى راتب مرتفع، ونفوذ، وخدمات، وامتيازات، ومكانة اجتماعية. متى تحول المنصب العام من أمانة لخدمة المواطن إلى غنيمة يتنافس عليها الناس؟

الدولة ليست ملكا للمسؤول، والمال العام ليس مالا شخصيا، والوظيفة العامة ليست جائزة لمن يستطيع الوصول إليها. الدولة وجدت من أجل الإنسان، والسلطة في أصلها وسيلة لخدمة المجتمع، لا وسيلة لخدمة أصحابها. تستخدم موارد الدولة لمعالجة المصالح الخاصة، بينما يعيش المواطن في الفقر والمرض والبطالة وانعدام الخدمات، فإن المشكلة لا تعود مجرد سوء إدارة؛ بل تصبح أزمة في مفهوم المسؤولية نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن تكون فقيرة فقط، وإنما أن تصبح مواردها موجودة بينما لا تصل إلى المواطن الذي يفترض أن تكون الدولة موجودة من أجله.هل نحن أمام مشكلة قبلية فعلا؟ في رأيي، القبلية موجودة في المجتمع، كما توجد الانتماءات الاجتماعية والثقافية في كثير من المجتمعات، لكن من الذي يحول هذا الانتماء الطبيعي إلى أداة للصراع السياسي؟

لقد أصبح مصطلح (القبلية) في بعض الأحيان سلاحا سياسيا يستخدم لتفسير كل أزمة، بينما يتم تجاهل جذور الأزمة الحقيقية الصراع على السلطة، والموارد، والمناصب، والنفوذ، وضعف المؤسسات، وغياب العدالة، وضعف التعليم والوعي السياسي. يفشل السياسي في إدارة الاختلاف، قد يبحث عن عدو أسهل؛ وحين يبحث المجتمع عن تفسير سريع لمعاناته، قد يجد في القبيلة إجابة جاهزة.

وهنا تبدأ المشكلة.فالقبيلة لا تولد بالضرورة الكراهية، لكن السياسة تستطيع أن تجعل منها وقودا للصراع. والانتماء إلى جماعة ليس جريمة، لكن تحويل الانتماء إلى معيار للحق والباطل، أو إلى طريق للحصول على الوظيفة والسلطة، هو الذي يهدد الدولة.لذلك، فإن محاربة القبلية لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بإدانة القبائل، وإنما ببناء دولة تجعل المواطن يشعر أن مستقبله لا يتوقف على اسمه أو قبيلته أو علاقته بالمسؤول.

الوعي هو المعركة الحقيقية لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية تخاف من الاختلاف. اختلاف الأفكار ليس خيانة، واختلاف الرؤى ليس حربا، والنقد ليس عداوة. المجتمع الذي لا يستطيع أن يتحاور مع نفسه سيجد نفسه في النهاية يتقاتل مع نفسه.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نكره، وكيف ننتقد دون أن نهدم، وكيف نعارض دون أن نحول الوطن إلى ساحة انتقام. علينا أن ندرس واقعنا كما هو، لا كما نريد أن يكون. وأن ننظر إلى السنوات الماضية بصدق، لا بهدف إعادة فتح الجراح، وإنما بهدف فهم أسبابها حتى لا نورثها إلى الجيل القادم.

فالتاريخ الذي لا نتعلم منه يتحول إلى مستقبل نكرره.السلام ليس ضعفا قد تكون ظروفنا صعبة، وقد تكون جراحنا عميقة، وقد يكون فقدان الثقة بين أبناء الوطن كبيرا، لكن ذلك لا يعني أن الحرب قدر أبدي. السلام ليس استسلاما، وليس تنازلا عن الحقوق، وليس نسيانا للضحايا. السلام هو أن نمتلك الشجاعة الكافية لنقول إن الدم الذي سال لم يكن طريقا إلى الدولة التي نحلم بها.نحن بحاجة إلى سلام حقيقي؛ سلام يقوم على العدالة، والمساءلة، والمصالحة، وإصلاح المؤسسات، وتوزيع عادل للفرص، واحترام الإنسان وكرامته.

فالدولة القوية لا تبنى بكثرة السلاح، وإنما بقوة القانون. ولا تحفظ بالخوف، وإنما بالعدالة. ولا تتقدم بكثرة المناصب، وإنما بكفاءة من يشغلونها. ربما تكون أكبر معركة نواجهها اليوم ليست بين قبيلة وأخرى، ولا بين منطقة وأخرى، وإنما بين وعيٍ يريد أن يبني المستقبل، ووعيٍ ما زال أسيرا للماضي.

علينا أن نرفض أن يستخدمنا السياسيون ضد بعضنا البعض. وأن نفهم أن المواطن الذي يعيش في بحر الغزال ليس عدوا للمواطن الذي يعيش في عالي النيل او الاستوائية، وأن اختلاف المناطق والقبائل والثقافات لا ينبغي أن يكون سببا لقتل فكرة الوطن.جنوب السودان لا يحتاج إلى جيل جديد يرث أخطاء الجيل السابق، بل يحتاج إلى جيل يسأل لماذا حدثت هذه الأخطاء؟ وكيف نمنع تكرارها؟

نحتاج إلى شباب لا يبحثون فقط عن وظيفة، بل عن معنى للمسؤولية. شباب يؤمنون بأن الوطن أكبر من المنصب، وأن الإنسان أكبر من القبيلة، وأن القانون أكبر من العلاقات الشخصية. وفي النهاية، لا أعتقد أن مستقبل جنوب السودان سيكتب فقط في القصور الحكومية أو في مكاتب السياسيين. سيكتب أيضا في عقول المواطنين، وفي المدارس، وفي الجامعات، وفي البيوت، وفي الطريقة التي نعلم بها أبناءنا معنى الوطن.قد تكون روايتنا اليوم مؤلمة، وقد تبدو أحيانا ساخرة إلى درجة تجعلنا نبتسم من شدة الألم، لكنها ليست رواية مكتملة.

ما زال بإمكاننا أن نكتب فصلا آخر. فصلا لا يكون فيه المنصب غنيمة، ولا القبيلة سلاحا، ولا المال العام ملكا لأحد، ولا الاختلاف سببا للكراهية.فصلا يكون فيه السلام بداية لا نهاية، والقانون مرجعا، والإنسان قيمة، والوطن بيتا يتسع للجميع. وهنا تبدأ الرواية الحقيقية لجنوب السودان. قد لا يعجبك هذا العنوان، لكنني واثق بأن المقال قد نال إعجابك. اكتب رأيك، أيها القارئ العزيز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى