اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. أبا ذر الكودة بين الحقيقة والحسد !

 

 

 

أولًا، لا بد من التهنئة الحارة لكل الطالبات والطلاب الذين كُتب لهم النجاح في امتحانات الشهادة السودانية للعام 2026م، التي أُعلنت أمس، والتهنئة موصولة لأسرهم، والمعلمين، وكل من أسهم في العملية التعليمية.
وفي الحقيقة، لا نود أن نفسد الفرحة على المتفوقين، ولا نقدح في جهدهم وقدراتهم التي حققت هذا التفوق، وكذلك يجب أن يفهموا بأن تناولنا لأي مسالب ليس انتقاصًا من جهدهم أو جهد أسرهم وكل من أسهم، والأهم من ذلك كشف الحقائق وتوضيح الملابسات.
في قضية مثل قضايا التعليم، يجب أن يُنظر إليها باعتبارها قضية وطن وقضية شعب قبل أن تكون قضية مؤسسة واحدة أو مدرسة واحدة أو مجموعة محدودة من الطلبة والطالبات، بل الهدف أسمى بكثير، حيث يرمي إلى إصلاح حال التعليم بصورة جذرية، حمايةً لمستقبل الأجيال.
فإذا، بصورة عامة، نجحت مدرسة وحقق طلابها أكثر من نصف المئة الأوائل من جميع طلاب السودان، الذي به 18 ولاية و193 محافظة أو محلية، وبالطبع آلاف المدارس الثانوية، لتحقق مدرسة واحدة، وخاصة أي استثمار، هذا التفوق؟ إذن حال التعليم في البلد، إذا نُظر إليه بحال هؤلاء الطلاب المتفوقين في مدرسة واحدة، كأنهم أصبحوا في جزيرة معزولة بالنسبة لخارطة التعليم في كل البلاد.
بالطبع، الذين ينظرون لهذه بنظرة سطحية يرون ذلك من باب الحسد، بمعنى بأن هنالك مواطن سوداني وجّه جهده وفكره وأمواله للاستثمار في التعليم، تتدرج في النجاح من إذاعة طالب أو طالبين في المئة الأوائل إلى أن وصل إذاعة أكثر من خمسين طالبًا وطالبة، وإذا استمر الوضع بهذه الصورة، لا يُستبعد أن تتم إذاعة كل العدد من هذه المدرسة في العام القادم.
والسؤال هنا يُطرح: ما العيب في ذلك؟ وهل هذا التفوق الكاسح لمدارس أبا ذر الكودة يُنظر إليه من زاوية الحسد والغيرة؟
يمكن أن تنطبق النقطة الأخيرة على أناس أصحاب مدارس أو لهم مصالح ومكاسب شخصية في العملية التعليمية، يحسدون الدكتور أبا ذر الكودة، لكن ما بالنا نحن كصحفيين ومراقبين تقع على عاتقنا مسؤولية تبصير الرأي العام بالحقائق وتمليك المعلومات لمتخذ القرار؟
إذن السؤال: لماذا مدارس أبا ذر الكودة؟
الإجابة ببساطة: لأنها نموذج صارخ لممارسات المشتغلين في العملية التعليمية في جانبها الاستثماري (التعليم الخاص)، لدرجة أن مثل هذه الممارسات طغت رغبتها على من تقع على عاتقهم تنفيذ السياسة التعليمية في البلاد.
والتعبير الذي سبقني له البعض وأطلق اسم (وزارة أبا ذر الكودة للتعليم) ليس مجرد تعبير ساخر، بل يمثل وجهًا من الحقيقة، وبالتالي يمكن أن يكون من الطبيعي أن يصدر قرار متعلق بسياسة، مثلًا امتحانات الشهادة، عبر مثل هذه المدارس، وما على موظفي وزارة التربية والتعليم الحكومية إلا التنفيذ.
وحتى لا يصبح الكلام، كما يقولون، (طق حنك)، شخصي الضعيف أكاد أكون أكثر التصاقًا بقطاع التعليم الخاص بحكم عملي الصحفي.
ومثال ذلك، أثناء فترة حكومة الحرية والتغيير، كانت هنالك حملة ضد التعليم الخاص، حيث كان هنالك من يطالب باجتثاثه بشكل جذري، وحينها كنت في صحيفة «الوطن»، فقمت بإجراء تحقيق وجدت بأن هنالك 60% من التعليم في البلاد يتولاه القطاع الخاص.
وبعد ذلك، بالتنسيق مع اتحاد المدارس الخاصة، عُقدت ورشة في وكالة السودان للأنباء «سونا»، جُمع لها عدد من الخبراء، وتحدث فيها بعض قادة الحرية والتغيير، حيث خلصت إلى أن محاربة التعليم الخاص ليست بإلغائه أو مضايقته، بل بحل بسيط جدًا، هو (أن تطلع الدولة بدورها في التعليم بإصلاح المعلم وتوفير البيئة الصالحة في المدارس الحكومية، وتُلزم المدارس الخاصة بتطبيق المعايير)، وبذلك تلقائيًا سنجد المساحة تتقلص بين التعليم الحكومي والخاص.
ولكن ما حصل: (الغول) بلع حتى أصحاب فكرة إصلاح التعليم، ناهيك عن تطبيق هذه الأفكار.
وعلى ما أذكر، حينها كان أبا ذر الكودة طالب دكتوراه، وفي احد المناسبات الاجتماعية قال لأحد المعلمات الجليلات، وهي صاحبة مدرسة خاصة عريقة: لماذا لا تعملين فروعًا أخرى لمدرستك، ويتوزع أبناؤك على إدارتها؟
فقالت له: أنا معلمة ولست مستثمرة، سأركز جهدي على مدرستي الواحدة هذه، والتي ارتبط بها طلابي، حتى بعد تخرجهم من الجامعة ظلوا يعودون لها.
فقال لها: أنا لن أتوقف إلا أن يبلغ عدد طلاب مدرستي أربعة آلاف طالب وطالبة.
وحينها كان طلاب مدرسته لم يبلغوا إلا بضع مئات، وبالفعل حقق رغبته بسرعة الصاروخ، بل أضعاف ما خطط له، ولا حسد في ذلك، لكن كيف؟ هذا سؤال آخر.
ثم كانت هنالك ورش أخرى، وبعضها شارك فيه أصحاب المدارس الأجنبية، منها مدارس كبيدة وغيرها، وبيراحة أبا ذر نفسه كان متحمسًا لمثل هذه الورش لإصلاح عملية التعليم، وخاصة تضامن المدارس الخاصة لمحاربة المدارس العشوائية التي لا تلتزم بالمعايير.
لكن بعد ذلك ما حصل: (دار أبوك لو خربت شيل لك منها شلية).
وعليه، هذا الملف كبير وكبير للغاية، يحتوي على تخلي الدولة عن مسؤوليتها في التعليم، وهذه مسؤوليتنا: فضح هذا القصور بالحقائق والوقائع والواقع الذي يعبر عن نفسه.
النقطة الثانية: كيف استغلت كثير من المدارس الخاصة الفراغ الحكومي، وضعف الرقابة أو غيابها، وعاثت في العملية التعليمية فسادًا؟ وما هي أساليب الفساد المستحدثة في هذا الملف؟
لأن في السابق كانت بعض الممارسات تتم على استحياء، كما حدثني أحد المعلمين الفطاحلة بأن نتائج الأساس في أحد الولايات كانت تُقسم بين المدارس الخاصة في غرفة صغيرة؛ مثلًا ادخل للمدرسة الفلانية طالبان، وتلك ثلاثة في المئة الأوائل، أي والله، بغرض الدعاية والإعلان لهذه المدارس حتى تجلب أكبر قدر من الطلاب في العام الذي يليه.
المهم، هذا الملف ليس لدى جهة واحدة، بل هنالك عدد كبير من خبراء التعليم يملكون المعلومات الخطيرة عنه، وهنالك شهود على ما أشرنا له، والحمد لله أحياء.
وفي ختام هذا الجزء، نؤكد بأننا لا نستهدف أي مدرسة ولا جهة محددة، لكن الهدف الأسمى هو أن نضع الحقائق أمام من يريد إصلاحًا.
وبالتأكيد، الإصلاح لا نطمع فيه لدرجة أن نسمع طالبًا من مدرسة خور طقت أو حنتوب ووادي سيدنا وخور عمر وغيرها يُذاع في المئة الأوائل، لأن من خرب هذا الإرث ورث ذات عقليته ليوصلنا لما نحن فيه الآن.
لكننا حقًا سنواصل هذه الرسالة، ونثق بأن هنالك كُثر سيساعدوننا لتبلغ هذه الرسالة مبتغاها.
فتابعونا في هذه الزاوية إلى حلقات قادمات، بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى