اعمدة

عبدالباقي جبارة.. يكتب.. “فزع الحروف”.. الكيماوي في كانون !

 

 

 

للحقيقة والتاريخ، مهما تكن درجة عداوتنا للحكومات في وطننا، لا نتمنى جلب مزيد من الأذى والشقاء لشعبنا انتقامًا منها، وإن كانت تستاهل، ليس رأفة بالحكام، بل من واقع التجربة. أثبتت أن جلب أي مزيد من العقوبات على الحكام هو بمثابة مزيد من التشبث بهذا الكرسي القذر الجاثم على صدر شعبنا؛ لأنهم ببساطة يستخدمون الشعب دروعًا بشرية، والثوابت الوطنية مطية ومبررًا لارتكاب مزيد من الجرائم التي يدفع ثمنها المواطن البسيط.
إذا رجعنا إلى الوراء قليلًا، نجد أن العقوبات التي فُرضت على حكومة الإنقاذ البائدة منذ مطلع التسعينيات ظل يدفع ثمنها شعبنا المغلوب على أمره على مدى ثلاثة عقود، وحتى الآن ما زال بعضها ساريًا، في المقابل، كل القادة والحكام المتهمين بارتكاب الجرائم ما زالوا أكثر الفئات في شعبنا يعيشون حياة رغدة، بل ما زال تأثيرهم على المشهد ماثلًا.
اللحظة الوحيدة التي تحقق فيها انتصار حقيقي لضحايا القرى المحروقة والإبادات الجماعية وانتهاكات بيوت الأشباح، ليست هي محاكمة شخص كان يعيش على هامش مركز القرار، مثال السيد علي كوشيب، الذي صدر ضده حكم بالمحكمة الجنائية الدولية، وهو حكم لم يشف غليل مكلوم ولم يسند يتيمًا، بل كان الانتصار عندما هب الشعب من غفوته، وتوحدت إرادته، وقال لدولة الظلم: لا. وألف لا. فسقط الطاغية الشقي في ثورة ديسمبر المجيدة، التي صنعها الوعي عبر الإعلام الذكي الذي حرّك العقل الجمعي، فأصبح قادة النظام يرتعدون من هتاف الأطفال قبل الكبار: «يا العسكري المغرور، كل البلد دارفور».
هذه الجملة سرت كالسحر، ووحدت وجدان الأمة السودانية بلا مؤتمرات ولا لَمّة، ولذلك كان استهداف الهتاف وشق الصفوف وضرب الكفوف هدفًا استراتيجيًا لتمهيد الطريق لاستعادة الأدوات القذرة، وبالتالي مزيدًا من سنوات الظلام.
أكتب هذه المقدمة وفي البال حدثان مهمان؛ أولهما حالة الترقب للتصويت الذي سيجري داخل أروقة مجلس الأمن الدولي اليوم الخميس على توسيع صلاحيات القرار 1591 ليشمل حظر السلاح والطيران في كل أجزاء السودان، ومن خلف ذلك التلويح الأمريكي بملف استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الجيش السوداني.
فإذا كانت أي عقوبات على خلفية هذه القضية ستُسقط هذه الحكومة مباشرة، وكذلك تتوقف الحرب وتتسنم دفة البلاد قوة وطنية، سنصفق لذلك كثيرًا، ولكن الشواهد تقول: مزيدًا من تشبث الحاكمين، ومزيدًا من القتل والتشريد، بل مزيدًا من تلاشي هذا الوطن وتمزيقه.
أما السؤال الأكبر: كيف نتجنب ذلك، وكل المؤشرات تؤكد بأن «قُضي الأمر الذي فيه تستفتون»؟ لكن الأمل سيظل معقودًا على الصوت الخافت الذي ينادي بتغليب المصلحة الوطنية، والتضحية الحقيقية من قبل المتمسكين بزمام الأمور، بتقديم تنازل حقيقي وانتصار على الذات من قبل قائد الجيش، إذا أدرك بأن صناعة السلام قد تحتاج لبطل واحد، حتى إذا دفع الثمن فداءً لشعبه، أفضل ألف مرة من سلطة وحرب يدفع ثمنها أكثر من أربعين مليون مواطن، وخاصة إذا كنا مهددين بألا نجد وطنًا نتصارع عليه في القريب العاجل.
أما الحدث الثاني، فهو جوقة من يدعون بأنهم يمثلون الإعلام وأهل الإعلام، الذين يجتمعون في هذه الأيام داخل فندق بالخرطوم يسمى «كانون». فكرة هَطَلها لا يحتاج كثير ذكاء.
أولًا، لا أنفي انتماءهم لقبيلة الإعلام، ولا ينقصهم التأهيل الأكاديمي أو التجارب، ولكن غلبت عليهم شقوتهم، وأحاطت بهم سيئاتهم.
فإذا افترضنا جدلًا راعي هذه الفكرة جهاز المخابرات السوداني، تجاهل تساؤلات الشارع العام: من أين لك هذه الأموال التي تصرفها على العشرات من تذاكر الطيران والفنادق؟ وتحت أي بند تم التمويل؟ وفي البال صفوف التكايا وصفوف الاطفال اليتامى والأرامل الذين يتكففون الطرقات بحثا عن ما يسد الرمق .
كان على الأقل يكون أذكى من ذلك، ويمرر هذا الحدث عبر وزارة الإعلام، ليكون، إلى حد ما، مهضومًا، ويمكن عاديًا تمرير أجندته عبر تلك المؤسسة المدنية أصلًا؛ كلها مؤسسات دولة، لكن بالفعل مؤسسات الدولة أصبحت عبارة عن جزر معزولة.
فإذا تجاوزنا هذه النقطة، فهذه الوجوه المستجلبة لتزيين قبح السلطة، مؤتمرها أعلن فشله شكلًا ومضمونًا قبل أن يبدأ. فكيف يدعون بأنهم يمثلون كل أهل الإعلام في البلاد، وعلى قيادته اتحاد ذروة سنام الإنقاذ، ما يسمى باتحاد «الرزيقي»، المنتهية ولايته منذ أبريل 2019م، حتى قبل حله بمرسوم دستوري؟
وعاد في ظلال البنادق مع اندلاع هذه الحرب اللعينة بصورة خجولة، ومكتبه التنفيذي «تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى»، وهنالك شخصان اثنان فقط ظلا يقومان ويجلسان باسم الاتحاد منذ أربعة سنوات، هما صلاح الشيخ ومحمد الفاتح، مع غياب تام لرئيسه المقيم بتركيا.
فإذا كانت قيادات صحفية لا تحترم إرادة شعبها التي مهرت التغيير بدمائها، فماذا يرجى منها؟ بالطبع لا ننتظر منكم اعترافًا بنقابة الصحفيين السودانيين المنتخبة التي تمثل الأغلبية الحقيقية الفاعلة في المشهد الإعلامي، والذين تجدهم وسط المدنيين المكتوين بنار الحرب وفي صفوف الضحايا ووسط النازحين واللاجئين وفعليا فازت قصصهم بجوائز عالمية وحققت ارقام قياسية والحمدلله ليس من بينهم ( لايفاتي واحد ) وهؤلاء هم من وضع حدا بين الصحفي الحقيقي و بوق السلطة ، وهذه حقيقة ليست للمزايدات، بل سنثبتها لكم في هذه المساحة.
ولكن كان على الأقل أن تنتج عبقريتكم وتمتلكوا الجرأة، إما بإصدار قرار واضح بإعادة كل مؤسسات الإنقاذ؛ لأن اتحاد الرزيقي ليس بأفضل من بقية كثير من واجهات المؤتمر الوطني المحلول، لكن ليس لديكم عبقرية تخرجكم من جلباب الإنقاذ.
إذن، التقت فكرتكم مع رغبة السلطة، فكان الواجب عليكم، أن يكون عندكم وفاء، تقدمون خدمة إعلامية يحترمها العالم والمحيط الدولي حول السودان، الذين يتقدمهم السودان بعشرات السنين خبراتٍ صحفية.
فهل يعقل أن صحفيًا خبرته عشرات السنين، ووصل إلى وظيفة قيادية، ويتولى مهام توجيه دولة كاملة في حرب مصيرية، يقف على قارعة طريق ويكتفي فقط بجملة واحدة هي: «وينو الكيماوي؟» مقابل تقرير أو تقارير للصحفيين مثلكم؟
وإن كانت مولتها أجهزة مخابرات، مثل ما تم تمويلكم، هؤلاء الصحفيون نزلوا الميدان، وتحصلوا على صور وشهادات ميدانية وإفادات خبراء، وقدموا مواد صحفية متكاملة يعتمد عليها صانع القرار.
أنا هنا ليس مكان تأكيد صحة هذه التقارير من عدمها، حتى لا تلجأوا للمزايدات الجاهزة، لكن أود أن أقدم لكم درسًا مجانيًا.
مثلًا، كان يمكن للأستاذة أو الأستاذ الصحفي المحترم أن يأخذ من زمنه ساعة، يخرج من فندق كانون، ويستعين بسيارة صغيرة من جهاز المخابرات حتى لا يخسر من جيبه، ويمثل فيها صحفيًا حقيقيًا استقصائيًا، يذهب ويصور له لقطة أو لقطتين من مصفاة الجيلي، ويأخذ له جملة أو جملتين من مواطنين من قرى قري أو الجيلي والسقاي، ويدخل مستشفى المصفاة، ويأتي بكل الإجابات ، إيجابيةً والناس في صحة وعافية، المهم يروي قصصًا متماسكة، معززة بإفادات من الخبراء «الاستراتيجيين» المتوفرين عندكم.
كان على الأقل بيّض وجهنا أمام الصحفيين الدوليين والعالميين. بالتأكيد كلكم تعرفون هذه الطرق لتقديم نماذج لعمل صحفي مقنع، لكنكم ليس في حوجة لذلك.
ما دام أي واحد فيكم من سريره أو مقعد السيارة أو الحافلة يسجل له مقطع فيديو بكلمات منمقة، ويحيي الجيش، ويكون بذلك حلل مخصصات الدعوة الكريمة.
ومثل هذه المؤتمرات ليست بجديدة؛ مؤتمرات «كرام الصحفيين» التي تبدأ بمشاكل الإقصاء وتنتهي بمشاكل العطاء، حيث هذه الأيام نقرأ ونسمع كثيرًا: ما دعوني، وما عزموني، ثم بنهاية هذا المؤتمر سنسمع: ما أدونا، وما عشونا.
فإذن، الإجابة على سؤالكم الاستنكاري: «أين الكيماوي؟!»
الإجابة: أنتم الكيماوي الحقيقي. حوّلتم الإعلام إلى وسيلة تضليل للشعب وتبجيل للحاكم.
تبًا لكم ولمن أنفق عليكم أموال الشعب سُدًى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى