اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. «فزع الحروف» .. لجنة الأمل نقطة سطر جديد !

في واحدة من أمسيات القاهرة، وكعادة السودانيين الذين فروا من الحرب، وخاصة الذين لجأوا إلى دولة مصر الشقيقة ، التي استقبلت أعدادًا هائلة من بني جلدتنا السودانيين، بالتأكيد الشكر والثناء مبذول لهم حكومةً وشعبًا، وهذا جميل لا ينكره إلا مكابر.

 

 

 

في واحدة من أمسيات القاهرة، وكعادة السودانيين الذين فروا من الحرب، وخاصة الذين لجأوا إلى دولة مصر الشقيقة ، التي استقبلت أعدادًا هائلة من بني جلدتنا السودانيين، بالتأكيد الشكر والثناء مبذول لهم حكومةً وشعبًا، وهذا جميل لا ينكره إلا مكابر.
كما أسلفت، بأن عادة السودانيين أصبحوا يسهرون حتى الفجر وينامون نهارًا، وهذه لها أسبابها، أبرزها أن معظم السودانيين في مصر بلا عمل، ثانيًا القاهرة مدينة تضج بالحياة والحيوية، وطبيعة الشعب السوداني اجتماعية، ويلتقون في السراء والضراء.
في واحدة من هذه الليالي، التقيت الأخ العزيز والزميل المخضرم الصحفي عاصم البلال، رفقة الأخ العزيز والزميل النشط عامر حسون، فقال لي عاصم: «يا عبدالباقي، أود طرح موضوع مهم متعلق بوجود أهلنا السودانيين المتواجدين في جمهورية مصر بسبب هذه الظروف المعلومة للجميع، ورغم معرفتي بموقفك الشخصي بأنك من (جماعة لا للحرب)»، قالها بطريقته الساخرة، لكن في الحقيقة لاحقًا اكتشفت بأن هو نفسه من ناس «لا للحرب»، لكن (ناكر)، ولا نقول بأنه «غواصة» لنا في وسط (البلابسة)، لكن طبيعة البيئة التي نشأ فيها والأسرة الصوفية، والمعروف أن بيوت التصوف في السودان يتعايشون مع كل الأنظمة، وفي نفس الوقت يحتفظون بقناعاتهم، لكن الحمد لله من هذه الأسرة خرج من يحمل عصا التمرد على الانقياد، ألا وهو الأستاذ مبارك البلال، فهو صحفي شجاع، مجاهر برأيه، ومبادر بأفكاره.
المهم، عاصم، وبدبلوماسيته المعهودة وابتسامته (الخطرة)، بمعنى لو عاوز يذبحك يخترقك بابتسامة عريضة تكسر كل مقدمات دفاعاتك، فقال لي بكل بساطة: «تولدت لدينا فكرة لجنة أهلية شعبية بعيدة كل البعد عن الجوانب الرسمية، وبعيدة للغاية من الحمولات السياسية وأجندة الاستقطاب، حزبية كانت أو معسكرات مع الحرب أو ضد الحرب. المسؤولية التاريخية الآن لدينا وأمامنا (أكوام اللحم) في مدن جمهورية مصر الشقيقة، وخاصة القاهرة والإسكندرية. أكوام هذا اللحم في الشوارع من بني جلدتنا السودانيين، ونحن (جلدنا ما نجر بيهو الشوك)، فلذلك نود تكوين لجنة طوعية من الذين آمنوا بهذه القضية، تعمل بكل تجرد ونكران ذات، تستعين بالسلطة القائمة، وتستعين بالسفارة في القاهرة والخيرين، وتستفيد من أي مبادرة لتوحيد الجهود. مهمتها الأساسية تسهيل وسائل العودة الطوعية لأبناء وبنات شعبنا وأسرهم الذين فروا من ويلات الحرب وتقطعت بهم السبل لأسباب مختلفة، سواء أوضاعهم الاقتصادية المتعثرة أو أوضاعهم القانونية.
وهذه اللجنة تقدم خدماتها لأي سوداني، بشرط واحد فقط، هو التحقق من هويته وانتمائه القانوني للوطن السودان، دون تمييز عرقي أو إثني أو ديني أو سياسي، بل ستذهب اللجنة إلى أبعد من ذلك، وتضع في أولوياتها أصحاب المخالفات القانونية الموجودين في السجون، وكذلك المرضى والشرائح التي تتطلب أولوية في تسهيل عودتهم مثل الطلاب والأساتذة وغيرهم .ونريد منك أن تكون معنا
فكان ردي له مبسطًا: إذا كان رفضي للحرب من أجل هذا الشعب وحرمة دمائه وصون كرامته في وطنه ودياره، ومعارضتي للنظام الحاكم من أجل مصالح وطنية عليا، وليس انتصارًا للذات أو لحزب أو لجماعة بعينها، فإذا رفضت مثل هذا العمل سأكون أنا في جهة، وهذه الأهداف السامية التي أدعو لها في جهة أخرى.
والنقطة الأهم: أنا جزء من (أكوام اللحم) السوداني المبعثرين في دول الجوار، أكيد سأكون في حاجة لهذه اللجنة، إذا لم تكن لأفراد أسرتي مباشرة، فأهلي ومعارفي وجيراني وأصدقائي. فعليه انا معكم (قدام بس)، أشجع هذه الفكرة بشدة، لكن بشرط بأنني لن أكون جزءًا من هذه اللجنة أو لجانها الفرعية، أو أحضر اجتماعاتها، ولكن سأدعمها بطريقتي الخاصة. لدي منصتي الخاصة (ترياق نيوز)، سأهتم بدعمها الإعلامي وشحذ الهمم لدعمها، وتقديم النصح والإرشاد والمقترحات، ولو بطريقة غير مباشرة للقائمين على أمرها، وأدافع عن فكرتها وأبشر بأهدافها، وهكذا.
وبالفعل، انعقد اجتماع في السفارة السودانية بالقاهرة ، وانبثقت عنه هذه اللجنة ( لجنة الأمل للعودة الطوعية ) برئاسة محمد وداعة وعضوية آخرين، وإن كان الدعم الحكومي ظاهرًا لهذه اللجنة، حتى أُطلق عليها اسم (لجنة الأمل)، على (أمل) كامل إدريس، “الاسم سالم” .
وبالتأكيد، الدعم الحكومي ليس منّة ولا صدقة، بل هو حق أصيل لهذه الشريحة الهامة من الشعب، بل هو واجب عليها، ولكن من يستحق الشكر والثناء هذه اللجنة المتطوعة ومساندوها، والذين وفروا الدعم من الخيرين لها .
السؤال المهم: هل اللجنة نجحت؟
نعم، حتى الآن حققت نجاحًا كبيرًا، ولم تسبقها عليه أي لجنة أو مبادرة أخرى، حيث عاد إلى أرض الوطن، بفضل الله وجهود هذه اللجنة، 60 ألف نسمة. فإذا نظرنا إلى أن تكلفة عودة الشخص الواحد من القاهرة إلى أم درمان تساوي 5000 جنيه مصري، إذن:
60000 × 5000 = 300,000,000 جنيه مصري،
بالسوداني ما يعادل أكثر من 64 تريليون جنيه سوداني.
حقًا إنه لإنجاز حقيقي في زمن هذه المسغبة.
والسؤال الملح: هل هذه اللجنة بلا أخطاء؟
بالتأكيد لا، بل أخطاء كثيرة، وفيها المقصود وغير المقصود، ومن قبل أعضاء اللجنة والمحسوبين على اللجنة، وهنالك أخطاء من شركات البصات، وكذلك أخطاء من الإعلام والإعلاميين، ولكن الأخطاء الأكبر وقعت من المواطنين أنفسهم، وبعضها هو الذي جلب للجنة الإساءة دون أن يعلموا.
مثل المواطنين الذين يدفعون رشاوى لتمرير عفش زائد، ومثل الذين يدفعون لأناس حتى ينالوا مقاعد على حساب آخرين لهم الأولوية حسب حجوزاتهم، مع وجود تقديرات للحالات الطارئة وخصوصية بعض الفئات، تحسب للجنة بأنها عملت تقديرات لذلك.
أيضًا هنالك حديث عن تجاوزات وتقاطعات بين شركات البصات وبعض أعضاء اللجنة، لكنه حديث يدور في الثرثرة دون تثبت.
هل اللجنة التزمت بتعهداتها بأنها تعامل المواطنين دون تمييز؟
نعم، بنسبة 100%، بدليل أنه حتى هنالك غير سودانيين ضُبطوا في المعبر ذاهبين للسودان، لكن هذه النقطة تمت معالجتها بالتحقق من هوية الشخص قبل منحه مقعدًا للعودة.
هل اللجنة التزمت بعدم تسويق جهدها سياسيًا؟
أقول: لحد ما، لأن ما حصل فعليًا مثله مثل كثير من الشركات ورجال الأعمال الذين يقومون بأعمال خيرية؛ فيهم من يريد (الشو) والأضواء والإعلام، وهذا من حق من يقدم دعمًا مقدرًا.
أيضًا بعض مؤسسات الدولة عندما تسهم في مثل هذه الأعمال تحب تسليط الأضواء، وهذا تصرف قد يكون فيه جوانب إيجابية، قد يشجع آخرين لتقديم مساهمات أكبر ويفتح الباب للتنافس.
بالطبع، من غير المقبول الترويج بالخطب السياسية خلال حفلات التفويج للحكومة. بالتأكيد هذا التصرف لا يشبه الحكومات الرشيدة، لأنها ترى أن ما تقدمه من خدمات لشعبها هو حقه وواجب عليها، لكن دائمًا يحصل ذلك من الحكومات الهشة والفاقدة للشرعية والشعبية، تحتفي وتحشد الإعلام لسد النقص الذي تعاني منه، في حين لو أنها قامت بواجبها بعيدًا عن تجيير الأفكار المجتمعية لصالحها يكون أفضل حالًا، وحتماً إذا نجحت أي مبادرة مجتمعية، تخفف عن السلطة الحاكمة الكثير.
الإعلام:
الإعلام الداعم للجنة الأمل، بقيادة الأخ عاصم البلال، هو مفتاح سر نجاح هذه اللجنة، ولكن في الآونة الأخيرة حضور الزملاء الإعلاميين بكثافة في التفويج أصبح روتينًا مملًا ولا يخدم، خاصة تكرار أخبار لم تعد تلفت نظر القارئ.
ميزة الإعلام هي صناعة الحدث الذي يلفت الرأي العام ويؤثر فيه سلبًا أو إيجابًا، عليه إعلام العودة محتاج إلى مراجعة بصورة كبيرة.
عمل لجنة الأمل للعودة الطوعية: هل ما زالت بذات قوة الدفع وذات التفاعل معها من القطاعات الخاصة والعامة؟
الواقع يقول: لا. هنالك تراجع كبير وغياب للزخم الذي كان يضخ فيها النشاط.
هل السبب الأخطاء والتجاوزات التي يتحدث عنها الناس؟
لا أعتقد ذلك، لأنه على الأقل جهد بشري وقابل لهذه الأخطاء وغيرها.
هل ما زالت هذه اللجنة ذات أهمية وأولوية؟
نعم، أهميتها زادت، وأصبحت ذات أهمية قصوى، وخاصة بعد استفحال الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعاني منها الشعب السوداني في الداخل والخارج.
الحل:
ضرورة بث الروح مجددًا في هذه اللجنة، وليس بالضرورة تغيير أعضائها أو تغيير مواقعهم، بل هؤلاء الذين تصدوا للمهمة قدموا جهدًا مقدرًا وسيحفظه لهم التاريخ، ولكن عليهم ابتكار أفكار جديدة تعيد لهذه اللجنة ألقها، واستشعار الدولة ومؤسساتها وكل قطاعات الشعب السوداني بأن العمل يجب أن نشارك فيه جميعنا، كل بجهده وبفكره وعلاقاته، دون أي مزايدات أو تقاطعات، وبعيدًا من حالة الاستقطاب والانقسام المجتمعي بسبب هذه الحرب اللعينة.
وإن كان هنالك وصية خاصة لهذه اللجنة، أن تقدم ما يقنع الجميع بأن العمل مهمة (كرامة) حقيقية يجب أن تتنادى لها كل قطاعات الشعب السوداني.
وكنت أتمنى أن تتطور أفكار العودة الطوعية بتقديم مزيد من الإغراءات، مثل تقديم مشروعات صغيرة لبداية حياة جديدة للأسر التي تعود لديارها، وربط عمل هذه اللجنة بلجان طوعية ميدانية تقوم بالترحيب بالعائدين، تحت شعار:
«بيتك نعمرو ليك، شارع بيتك ننضفو ليك.. ومرحب بيك يا الهليت، نورت ديارك ونور بيتنا»
لكن قبل ذلك، سيظل نداءنا وصرختنا الداوية لإيقاف هذه الحرب بأعجل ما يكون، لأنها هي المعيق لجميع الأفكار.
ولا إعمار ولا إصلاح مع قعقعة السلاح.
والسلام سمح، ويا سمح يا زين، يا بلدي يا حبوب.
والعودة الطوعية نقطة سطر جديد !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى