اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب : “فزع الحروف” .. الحديث عن الهوية حرام !

 

 

 

الصراع في السودان الممتد على مدى مسيرة الحكم الوطني منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، في حقيقته صراع يرتكز على سببين رئيسين، هما: الصراع حول نفوذ السلطة والمال، ثم تأتي عوامل أخرى يتم الزج بها لتبرير إفرازات هذا الصراع أو لتغذيته. ومن هذه العوامل (صراع الهوية)، أو الحديث عن هوية الشعب السوداني: هل هو عربي أم أفريقي؟ ،
قبل الخوض في تفاصيل هذه الجزئية، أود توضيح ما يتعلق بالعنوان: (الحديث عن الهوية حرام). بالتأكيد، من يقرأ هذا العنوان يعتقد جازماً بأنها فتوى دينية قطعية تستند إلى أسانيد من القرآن والسنة، ولكنني لا أنفي ذلك ولا أثبته، لأنني – على الأقل – لست متفقهاً في الدين، إلا من باب الحديث الشريف: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات)، ويقال إن الصحابة، رضوان الله عليهم، كانوا يتجنبون كثيراً من الحلال خوفاً من الوقوع في الشبهات.
إذا رجعنا إلى موضوع الهوية وحرمتها، أو حرمة الحديث عنها من زاوية تأجيج الصراعات، فبالتأكيد يصلح الموضوع لأن يكون (فتنة)، والفتنة فيها نص قرآني صريح: (والفتنة أشد من القتل). وبالفعل، فإن فتنة الهوية أشد من القتل، الذي قد يكون محصوراً في شخص أو أفراد محددين، ولكن فتنة الهوية تشعل حروباً لا تبقي ولا تذر. إذن، إذا ثبت أن الحديث عن الهوية فتنة، فإنه يكون محرماً، خاصة إذا استخدم لتأجيج الصراعات وتحقيق المكاسب السياسية.
وهناك أيضاً نص صريح يوضح كيفية الحديث عن الهوية في جوانبها الإيجابية، في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، صدق الله العظيم، وكذلك الحديث الشريف عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى).
إذن، إذا أسقطنا هذا البرنامج الإلهي على واقع صراع الهوية، فمثلاً الذين يجتهدون لإثبات عروبتنا، نفترض جدلاً أننا أثبتنا أننا عرب قرشيون أو أمويون أو عباسيون، فماذا نجني من ذلك؟ وأيضاً العكس، إذا أثبت الذين يريدون تأكيد أفريقيتنا بأننا أفارقة زنوج أو نوبة أو أحباش أو غير ذلك من الأصول الأفريقية، فما الفوائد التي ستأتينا من ذلك؟
صراحة، لم أسمع بطرح يتحدث عن المصالح المكتسبة من إثبات هويتنا بالانتماء إلى أي من الجهتين. لكن من زاوية مصالح الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، هناك ميزة تفضيلية أثبتتها التجارب، من زاوية علاقاتنا الخارجية كدولة سودانية، وليس من باب السعي إلى التغيير الديمغرافي للسكان أو فرض ثقافة بعينها وإرغام الشعب عليها.
لكن من منظور سياسي، هنالك خطأ تاريخي وقعت فيه سياستنا الخارجية، إذ اخترنا التركيز على جامعة الدول العربية، فوجدنا أنفسنا في ذيل الدول العربية من حيث الاهتمام، ورفضنا أن نكون في مقدمة الدول الأفريقية، ليس لأننا أفضل منهم، بل لأننا أصحاب مبادرة متقدمة عليهم، بحسبان أن السودان من الدول التي أسست منظمة الوحدة الأفريقية.
وبالمناسبة، يمكن أن تسقط كل هذه السرديات إذا اهتممنا بشأننا الداخلي، وطورنا بلدنا، وأصبحنا في مقدمة ركب الدول المتقدمة؛ إذ يمكن أن نكون في قمة الدول العربية والأفريقية مجتمعة، لأن العالم أصبحت تحكمه المصالح لا الهويات. فأياً كانت هويتك، يبقى السؤال: ما هي مصلحتي منك؟ دينك، أصلك، ثقافتك، لغتك، كل ذلك غير مهم بالنسبة لي ، لكن الأهم: كيف أستفيد منك؟
وعليه، أرى ضرورة إسقاط الحديث عن الهوية من كل الصراعات الجارية، والاستفادة من تنوعنا الثقافي والعرقي، وحتى الديني، وتوظيفه بما يخدم رفعة هذا البلد المترامي الأطراف.
وقد يقفز سؤال: كيف نستفيد من التنوع الديني ونحن غالبية مسلمة؟ بالتأكيد، فإن أهم ميزة للتواصل الديني هي التواصل مع بقية الشعوب. فمثلاً، إذا كان بيننا يهود ولدينا مصلحة مع دولة يهودية، فمن الممكن الاستفادة من هذا المكون، وكذلك إذا كان لدينا مكون ديني يلتقي مع ديانة في الهند، فيمكن توظيف ذلك لصالح المصالح المشتركة بين الشعوب، دون أن يعني ذلك تعدي دين على دين آخر.
وهنا يبرز سؤال آخر: نحن كمسلمين منوط بنا نشر الدين الإسلامي في شتى بقاع العالم، والمنهج واضح في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، لأننا لسنا في عهد يُدعى فيه إلى الإسلام بالسيف.
والنقطة الأهم هي تطبيق قيم الدين الإسلامي في أنفسنا، وهي قيم السلام والمحبة والتسامح والإيثار: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). وبالتأكيد، فإن الدين الإسلامي قد تمدد بقيمه، لا بالقتل وإراقة الدماء. انا اللغة في هي للتواصل واستخدام لغة مكون محدد للتعامل في الدولة يجب أن لا تكون امتيازا له بل لأنها الأغلب او او الأصلح حيث كثير من الدول الأفريقية لغتها المشتركة هي اللغة الإنجليزية أو الفرنسية وهم ليس بانجليزي ولا فرنسيين بل بأن هذه اللغات مشتركة بينهما وتسهل التعامل بينهما .وفيما يتعلق بالثقافة يجب أن ينظر للأمر ليس من باب فرص ثقافة على حساب ثقافة أخرى بل يكون هنالك تنافس إيجابي بحيث كل مكون يقدم أفضل ما لديه من ثقافته وفي النهاية البقاء للإصلح .
ولكن كل ذلك لا يتحقق إلا في نظام حكم يتمتع بالحريات والديمقراطية، وهو النظام الذي يتيح لقيم الإنسانية أن تزدهر.
وبالتالي، أعتقد أن الزج بالحديث عن الهوية في صراع السلطة والمال أشد حرمة من القتل.. والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى