عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. الحارث ملهاة البلهاء!

للدبلوماسية السودانية شرف باذخ وتاريخ تليد، حتى قبل بزوغ فجر الاستقلال المجيد، عندما مثّل الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري السودان في قمة دول عدم الانحياز، وأخرج حينها منديلً أبيض وضعه بين أعلام الدول، حيث لم يكن للسودان علم بعد.
ثم، وبعد الاستقلال، شهدت أروقة المنظمات الدولية والعالمية شخصيات سودانية مثّلت بلادها، ووضعت بصمات لم يمحها التاريخ مهما تطاولت الحقب. ونموذجًا لذلك، مندوب السودان في الأمم المتحدة السفير أحمد عديل، الذي اختير مساعدًا للأمين العام للأمم المتحدة ليحل أزمة الكونغو الديمقراطية، في عهد كان فيه قامات أمثال لومومبا وغيرهم من قادة التحرر الوطني .
ويحدثنا التاريخ كيف خاطب وزير الخارجية الأسبق محمد أحمد المحجوب الجمعية العامة للأمم المتحدة بلسان عربي وأعجمي مبين، كما يحدثنا التاريخ كيف استطاعت الدبلوماسية السودانية أن تنزع فتيل الأزمة بين الزعيم الراحل جمال عبدالناصر والملك فيصل، وكيف نجح مؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم عام 1967م، والذي أصبح علامة فارقة في عزة وكرامة الأمة العربية.
وبالفعل، كان هنالك نساء شامخات أمثال المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم، أول برلمانية في الوطن العربي، ورجال عاشوا بكبريائهم، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا، لكنهم الآن يمارسون صمتًا غير نبيل في عهد انحطاط كل شيء في بلادي، وهم يشهدون أسوأ من داس على إرثهم وتاريخهم المشرف:
“ولا الأذان أذانٌ في منارته، ولا الأذان أذان”.
لكنهم نشأوا على أرضية هشة، حكام سنوا سنةً سيئة، تتعالى أصواتهم جهرًا بالإساءات للمجتمع الدولي، ويستجدوهم سرًا يطلبون يد العون؛ عدم اتساق أخلاقي تشمئز منه النفس السوية.
وحتى لا يذهب الحديث بلا حجة ولا منطق، دعونا نعرف الدبلوماسي الذي يمثل بلده في المحافل الدولية والمنظمات الإقليمية، وما هو المطلوب منه. أولًا، لا بد أن تتوفر فيه صفات لا تتوفر في عامة الناس، أبرزها العلم والثقافة واللباقة والخلق والأخلاق. ثم لا بد لهذا الشخص أن يكون ملمًا بالقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية، وعندما يقدم دبلوماسي ممثلًا لبلده في منظمات المجتمع الدولي، لا بد أن تصقله التجارب، وينظر إلى مصالح بلده في الحاضر والمستقبل، ويحترم تاريخ من سبقه في هذا الموقع.
هذا تعريف مبسط لمواطن مثلي تهمه مصلحة بلده، وكما عايشنا وسمعنا كيف يكون الدبلوماسي، لكن إذا تحدث صاحب اختصاص فقد يفيض ويقدم أكثر مما قدمت.
لكن دعونا نسقط هذه المواصفات المبسطة على المندوب الدائم الحالي للسودان في الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس. فإذا تحدثنا عن صفة واحدة من صفاته، تصبح جميع الصفات أعلاه بلا جدوى، حتى إذا توفرت فيه، وهي الأخلاق:
“إنما الأمم أخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.
السفير الحارث إدريس يشهد التاريخ القريب بأنه يمثل الانتهازية في أبشع صورها، ويعلم الجميع بأنه ينتمي لحزب الأمة القومي، حزب له أعراف وتقاليد وتاريخ معروف، وفيه رجال متمسكون بمبادئه، لا يبيعونها من أجل منصب، مهما كانت المغريات. هذه المبادئ باعها الحارث في سوق الله أكبر وبأرخص الأثمان.
وهذا الحزب له فضل على الحارث، ولولاه لما رجع إلى الخارجية سفيرًا، وعاد بفضل وصول القيادية بالحزب مريم الصادق المهدي وزيرةً للخارجية. وقبل هذا وذاك، عاد الحارث إلى الأضواء على دماء وجماجم المئات من شباب ثورة ديسمبر الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أن تتوفر للحارث وأمثاله العدالة في التوظيف وغيره، فوضع يده على يد من غدر بهم، وألحق بهم زمرةً أخرى من الأخيار.
ليطل الحارث مرتديًا ثوب الوطنية الزائف، متنـدرًا بأسلوب مهرج لا يقدم ولا يؤخر، ثم مؤخرًا يُحتفى به لأنه أطلق عبارات فجة؛ القوم الذين أطلقوها تبرؤوا منها ، شخص يقتل رسول سلام وداعية لحقن دماء.
في ذات الوقت، هذه هي قصة كليب بن ربيعة معروفة للجميع، حتى للذين لم يطلعوا على تاريخ الجاهلية. يمكن وضع الجملة في تطبيق “شات جي بي تي”، وستظهر القصة كاملة، وهذه تنطبق تمامًا على الذين نصّبوا الحارث سفيرًا. هم الذين يقتلون من يقول “لا للحرب”، من لجان المقاومة، ويسحلونهم ويدوسون عليهم بأحذيتهم.
وبهذا، يقدم الحارث اعترافًا دامغًا بأن حكومته ضد السلام وضد من يدعو للسلام، وهو انتفخت أوداجه معتقدًا أنه يسيء لدولة الإمارات العربية المتحدة.
نحن هنا ليس محل الدفاع عن الإمارات أو غيرها من الدول، فهم جديرون بالدفاع عن أنفسهم، لكن ما يهمنا هنا أنك تتحدث باسم وطن ملك لأكثر من أربعين مليون نسمة. يمكن الحكومة أن تقتل منهم الآلاف والملايين حتى تظل أنت في منصبك، لكنها لا تستطيع أن تنزع سودانيتهم ووطنيتهم، وكذلك لا تستطيع أن تحول بين صفحات التاريخ وبين هذه المواقف المخزية، حيث بجانب أنك تسيء لشعب كامل، بأنك تنبري للدفاع عن استمرار حرب أهلكت الزرع والضرع؛ لأنك تعلم بأن نهايتها نهاية هذا المجد الزائف الذي تعيش فيه الآن، والبطولات المختلفة التي أقنعوك بها البلهاء الذين أصبحوا يصفقون لك كما يصفقون لـ”القونات” و”اللايفاتية”، لأنك لا تعلم بأن الدبلوماسية لا يُقرأ لها من لغة الشوارع، ولا مجاراة الهتيفة.
دعك من كل العبارات القاسية أعلاه، وأنت تستحق أقسى من ذلك بكثير، لكنها حيلتي وإكرامًا للآخرين. لكن دعونا نقف عند نقطة تفصل بين حقيقة تمثيلك للسودان وتمثيلك به، رغم أنك ممثل غير بارع حتى في الجهل.
الدبلوماسي الممثل لبلده، الهدف الأساسي والرئيسي له تحقيق مكاسب عبر استخدام مهارته لتحقيق نتائج تتناسب مع سياسة وزارة الخارجية أو الحكومة التي ابتعثته. فما هو المكسب الوحيد الذي حققته لصالح الحكومة التي أنت تمثلها؟
ويجب أن تعلم بأن إعاقة روسيا والصين لأي قرار ما في صالح حكومة السودان ليس من إنجازاتك. هذا عرف في سياساتهما من قبلك تجاه السودان، أو في إطار التنافس بينهما وبين أمريكا والدول الغربية.
لكن المصلحة الوحيدة للحكومة التي تمثلها هي أنك أصبحت “علفًا فاخرًا” للبلهاء الذين يدعون دعم الجيش ويرتدون ثوب الوطنية الزائف.
ألا يكفيك خجلًا أن تصبح أول مندوب دائم لدى الأمم المتحدة للسودان يُمنع في عهده رئيس دولته من تأشيرة البلد الذي يحتضن مقر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؟
إذا كان هذا الخذلان غير كافٍ بأن يجعلك تتوارى عن الأنظار وتكف عارك عن بلدنا، فلنأتِ إلى العبارة التي تلوتها ونلت بها تمجيدًا لم ينله الأزهري والمحجوب من المغفلين النافعون امثالك ، وجعلت حتى الصحفيين من شاكلتك يدّعون الوطنية، ويتوقعون أن يتم طرد كل الدبلوماسيين السودانيين من الولايات المتحدة الأمريكية بسبب خروجك عن الأعراف واللياقة الدبلوماسية، لأنك أصبحت نشازًا، وليس بطلًا كما تتوهم.
وأكبر دليل على ذلك أن الحكام الذين تدافع عن سياستهم بعثوا لك برسالة لعلك تفهم. وهنا أذكرك: سبق أن قال البرهان على الملأ: نحن جلسنا مع قيادات من دولة الإمارات وأوصلنا لهم وجهة نظرنا، لكنهم لم يردوا.
وقال مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة: حاولنا أكثر من مرة أن نجلس مع القيادة في دولة الإمارات حتى نصل معهم إلى تفاهمات، لكنهم لم يستجيبوا حتى الآن.
وأخيرًا، حتى بعد عباراتك الفجة تلك، قال مناوي مخاطبًا حشدًا من أنصاره: نحن لا نمانع في الجلوس مع الإمارات لتسوية خلافاتنا!
هل تعلم، يا متوهم، بأنك أول الخلافات هذه التي يجب إزالتها ؟ ، ومسح اسمك من ذاكرة الدبلوماسية السودانية؟
لأن هؤلاء، سواء البرهان أو عقار أو مناوي، رغم رأينا فيهم، يفهمون بأنه لا موقف ثابت في السياسة: “أعداء الأمس أصدقاء اليوم”.
أما أنت، فإلى الشارع الذي تجد فيه ما يشبه لغتك، لأن مزبلة تاريخنا أرقى منك بكثير يا ملهاة البلهاء !








