شول كير اضوم .. يكتب .. “زوايا خفية” ..الصراع من أجل ماذا؟

إن صراعات التي نشهدها اليوم في الساحة السياسية في البلاد تطرح لنا سؤالا أكبر من مجرد سؤال عن أطراف الصراع وأسبابه من أجل ماذا نصارع؟ وإلى أين يقودنا هذا الصراع؟
نحن، شباب، نقف في منتصف الطريق؛ نبحث عن لقمة العيش، ونركض خلف أبسط مقومات الحياة، بينما يطلب منا في الوقت نفسه أن ننحاز ونصطف ونركع أمام صراعات لا نعرف في كثير من الأحيان ما الذي سنجنيه منها.
وربما ان الأوان أن نرفض هذا الركوع، لأن الإنسان الذي يقضي حياته في بحث عن البقاء لا يستطيع أن يبني وطنا إذا ظل عقله أسيرا لصراعات الآخرين.
حتى تنظيمات السياسية، التي كان يفترض أن تكون مساحة للأفكار والمشاريع الوطنية، أصبحت في كثير من الأحيان تدار بمنطق قبيلة والعائلة والانتماء الضيق. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق ماذا نستفيد من الحوارات القبلية إذا كانت لا تقود إلى تحسين حياة الإنسان؟ وماذا يستفيد المواطن من انتصار قبيلته إذا ظل هو نفسه فقيرا، بلا تعليم، وبلا عمل، وبلا مستقبل؟
تعليم أيضا لم يعد بالنسبة إلى كثيرين مشروعا لبناء الإنسان، بل تحول إلى مجرد شهادة أو سمعة اجتماعية. والمشكلة الأعمق أننا لا ننتج بما يكفي؛ ولا أقصد بالإنتاج المصانع والسلع فقط، وإنما أقصد قبل كل شيء إنتاج العقل.
فالأوطان لا تبنى بالموارد، وإنما بالعقول التي تعرف كيف تستثمر تلك الموارد. والثروة التي تقع في يد عقل غير منتج قد تتحول من نعمة إلى عبء.كان ينبغي أن تكون أولويتنا بناء الإنسان؛ إنسان يعرف حقوقه وواجباته، ويؤمن بالعمل، ويحترم القانون، ويستطيع أن يفكر وينتج ويختلف دون أن يتحول اختلافه إلى عداوة.
أما الانتماءات الأخرى، مهما كانت قيمتها، فيجب أن تأتي بعد الوطن والإنسان. فالقبيلة والانتماء الاجتماعي لا ينبغي أن يكونا أعلى من مصلحة الإنسان، لأن القبيلة في النهاية تتكون من البشر، والوطن كذلك.
لقد أثبت تاريخ أن التغيير الحقيقي لا ينتهي دائما عند فوهة البندقية. قد تبدأ الثورات بالسلاح، لكنها لا تنجح في بناء مجتمعات بالسلاح وحده. التغيير الأعمق يبدأ عندما يتغير وعي الإنسان، وعندما يتعلم أن يحب وطنه ويحترم الإنسان الاخر، وأن يرى في الاختلاف فرصة للتعايش لا سببا للحرب.
نحن، قبل أن نكون قبائل ومجموعات وانتماءات، بشر. وهذه هي الحقيقة الأولى التي يجب ألا نفقدها.
علينا أن نتعلم كيف ندير شؤوننا بأنفسنا، وأن نبني مؤسساتنا، وننتج غذاءنا، ونستثمر مواردنا، ونخلق فرص العمل، ونصنع المعرفة. فلا يمكن لوطن أن يصبح مستقلا وهو يعتمد دائما على الاخرين في تفكير والإنتاج واتخاذ القرار.
والمؤلم اليوم أن القبائل بدأت تتهم بعضها بعضا، وكأن المشكلة في هوية الاخر لا في طريقة تفكيرنا وإدارة مجتمعنا. وهذا ليس اختلافا سياسيا فحسب، بل هو شكل من أشكال التخلف الاجتماعي؛ لأن العقل الفقير هو الذي يعجز عن رؤية الإنسان خارج لون القبيلة أو اسم العائلة.
ونحن في جنوب السودان أمام مفارقة كبيرة بلد يمتلك موارد طبيعية واسعة، وعدد سكانه لا يتجاوز عشرات الملايين، ومع ذلك ما زالت أعداد كبيرة من أبنائه تبحث عن أبسط مقومات الحياة. لو أديرت موارد الدولة ومؤسساتها بصورة فعالة، ولو وجهت أعداد كافية من الشباب إلى الإنتاج الحقيقي، لكان بإمكاننا أن نبني طبقة من المهنيين ورجال الأعمال والعلماء والمزارعين والمصنعين وصناع المحتوى والرياضيين والمبتكرين، بدل أن يبقى معظم شبابنا مستهلكين لما ينتجه الآخرون.
المشكلة ليست في غياب الموارد ، بل في غياب الوعي بكيفية تحويل الموارد إلى قيمة. وهنا يأتي دور أصحاب الفكر والمعرفة. نحن بحاجة إلى جيل من شباب الذين يجعلون من تعليم مشروعا وطنيا، وينشرون المعرفة حول فوائد تعليم، وكيفية إدارة الموارد، وكيفية تحويل الإمكانات طبيعية إلى صناعات ومشاريع وفرص عمل.
نحن لا نحتاج فقط إلى من يتحدث عن الوطن؛ نحتاج إلى من ينتج من أجل الوطن.
فالإنسان الذي يزرع، والعالم الذي يبحث، وطبيب الذي يعالج، و معلم الذي يعلم، والمهندس الذي يبني، ورجل الأعمال الذي يخلق فرص العمل، وكاتب الذي يوقظ الوعي؛ كل هؤلاء يمارسون الوطنية بطريقة أعمق من مجرد رفع الشعارات.الحقيقة ليست من انتصرت قبيلته؟
ماذا أنتجنا؟
ماذا تعلمنا؟
ماذا بنينا؟
وماذا تركنا للجيل الذي سيأتي بعدنا؟
الصراع من أجل ماذا؟
لابد ننشر الوعي دي،،،،،









