اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. «فزع الحروف» .. شباب الحارة 13 «أعرشوا على كدا»!

 

 

 

عرف الشعب السوداني بالإبداع في استخدام اللغة، فهو يختصر بها الكلم والمعنى والمضمون في آن واحد، عطفًا على ما ورد في العنوان أعلاه: (أعرش أو أعرشوا على كدا). المعنى القريب: العرش بكسر الراء، أي السقف، عندما يبلغ البنيان تمامه وتستوي حوائطه، تأتي توجيهات للمعلم من المقاول أو صاحب المنزل: (أعرش على كدا)، حيث بلغت الحوائط من الطول ما لا تحتمل معه زيادة. أما المعنى البعيد، فيُستخدم هذا المثل في صنائع المعروف عندما يعمل الشخص عملًا مميزًا ورائعًا ولم يستبق شيئًا، فيقال له: (أعرش على كدا)، أو (أعرشوا على كدا) لو كانوا جماعة.
وقبل أن نوضح لماذا خاطبنا شباب الحارة 13 بهذا المعنى البعيد، دعونا نحكي واحدة من المآسي التي خلفتها هذه وهي سبب هذا الموضوع ،وتحديدا إثر هذه الحرب على واحدة من أسرنا العزيزة على النفس بأم بدة، الحارة 13 السبيل.
الأشقاء محمد وأحمد عثمان محمد علي حمدوبة قررا ألا يغادرا منزلهما بالحارة 13 السبيل حتى منتصف أكتوبر 2023م، حيث نالت منهما يد الغدر والخيانة، فتم اغتيال محمد غدرًا وإخفاء أحمد قسرًا حتى كتابة هذه الكلمات، وذلك على يد أفراد من قوات الدعم السريع.
اغتالوا محمد ونالوا من جسده النحيل، وعلى غير ما يحدث في هذه الحرب قضى محمد تعذيبًا، ولكنهم لم يقتلوا كبرياءه وشهامته وشجاعته، حيث ظل يزأر في وجههم كالأسد، وهم ينهاولون عليه ضربًا بأعقاب البنادق والعصي حتى يفصح عن مكان شقيقه أحمد الذي كان خارج المنزل، ولكن أنى لهم هذا، حيث سمع زئيره في وجههم كل من كان موجودًا في المنازل المجاورة. لم ينكسر ولم يطأطئ رأسه، فأقتادوه لميدان الربيع مكبل الأطراف بأم درمان، ليُعثر على جسده الطاهر ملقى على قارعة الطريق في اليوم الثاني لاقتياده مباشرة ، ويسّر الله له من أهل الفضيلة من صلوا عليه، وتمت مواراته الثرى، ليظل قبره شاهدًا على بطولته، وساخرًا من خزيهم وعارهم.
أما أحمد، الشهير بـ«بيجو»، فأخفوه جسدًا، لكنهم لم يخفوا صولاته وجولاته. وهو يتصدى لكل من يحاول أن يتعدى على حرمات منازل جيرانه، وكان سدًا منيعًا في مواجهة (الشفشافة) وكل المجرمين الذين استغلوا فوضى هذه الحرب وقهروا المدنيين العزل بأسلحتهم.
وبشهادة الأحياء، كل من عاش تلك اللحظات منذ اندلاع الحرب وحتى لحظة اختفائه، لم يستنجد به أحد إلا ووجده أمامه، ولا سمع صرخة منتصف الليل إلا وكان أحمد أول الحاضرين، ولم يرَ تعديًا على منزل جار إلا وكان أحمد أول المتصدين.
كما يشهد القاصي والداني، محمد وأحمد لم يدخل منزلهم متاع ولا زاد حرام حتى غادروه بشرف النزاهة والعفة، ومن دخل منزلهم بعدهم لم يجد إلا متبقي وجباتهم الأساسية (مرقة العدس). فعبثوا بما تبقى من أثاث، حتى توصيلات الكهرباء وموتور المياه، و الحوائط والسقف، حتى لا تبقى شاهدة على أثر أنقى الرجال وأصدقهم، لكن هيهات لهم.
أما على صعيد الأسرة، فمن الصعب أن نتحدث عن مرارة الفقد لدى والدتهم ةالأشقاء والشقيقات وكل من له صلة بهم، ووصفه بالكلمات. فكيف تبكي الدموع رجالًا كانوا ذخري الزمان، كأنهم عاشوا في زمان غير زمانهم؛ زمان عز فيه الشرف فكانوا هم الشرف، وزمان عزت فيه المروءة فكانوا هم المروءة.
ما مات شخص في الحي إلا وكان أحمد أول الذاهبين للمقابر، وترك للآخرين النواح، وما كان هنالك فرح إلا واتجه أحمد لنصب الصيوان وجلب الأواني، وترك لغيره الغناء والصداح، وما وزّع أحمد «بيجو» سلال رمضان لا تسمع بها أسرته إلا عند الجيران.
فأي رجال قتلوا، وأي رجال أُخفوا، فإذا هم إلى الله ذهبوا، فكل الناس إلى الله ذاهبون، أو إلى الله ذهبوا.. وتبقى شيم الكرام بين الناس لا تصدأ كالذهب، والخزي والعار لمن خانوا وغدروا.
ترددت كثيرًا في أن أكتب عن أعظم الرجال، لأن شهادتي فيهم مجروحة، فهم أخواني وعزوتي ، وخيلان أبنائي وبناتي، وعزي وفخري… فُجعت فيهم وجزعت لمرارة الفقد، فكانت بقية العقد محجوب وعبدالعظيم وعبدالمنعم يسخرون من الثكلى والنائحين . أي صبر هذا، وأي جلد، وهم ينعون بعضهم إلى الأبد، ويقينهم الفردوس، موعدهم وجنات الخلد.
الأمر الذي دعاني للكتابة هو الرسالة التي سجلها شباب وشابات الحارة 13 والحارات المجاورة بأم بده السبيل بأم درمان ، التي كان الفقيدان محمد وأحمد جزءًا منها. هذه الرسالة التي بعث بها هؤلاء الشباب، رغم رمزيتها في حي محدد وأسرة محددة، لكنها بمثابة انتصار حقيقي للشعب السوداني في هذه الحرب؛ إذا كان الانتصار هو أن نستعيد قيمنا وأخلاقنا وعاداتنا السمحة. والانتصار حتمًا ليس بقتل أكبر قدر من أعدائنا؛ لأن من مات لأجله ومن أُخفي لقدره، ولكن الانتصار بألا نسمح بأن يسلبنا عدو قيمنا ومروءتنا وشهامتنا ووحدتنا وتماسكنا. وهذا ما جسده هؤلاء الشباب، أي شباب الحارة 13، وهي رسالة للسودانيين في الداخل والخارج، مفادها: «نحن بخير».
القصة يا سادتي: والدة الفقيدين محمد وأحمد، الحاجة سعدية، التي كانت مثالًا للصبر والجلد، وهي المفجوعة في أعز ما تملك.. نعم، فقدت أبناءها ومتاعها، وخُرّب منزلها، ووفرو لها أبناؤها السكن والمتاع، سواء في العاصمة أو مسقط رأسها أم الطيور أو الدامر، فأي البقاع أحب إليها؟
فأصبح منزلهم القديم، الذي شهد طفولتهم وشبابهم، كل جزء فيه يتحدث عن تاريخ لا تخطئه الذاكرة.. فكانت رؤية محجوب وعبدالعظيم: لا بد من بداية حياة جديدة، ولا يصح البكاء على الأطلال، ولا يعلمون ماذا يخفي لهم ربعاء الصبا ورفقاء النضال في هذا الحي ضد القتلة والمجرمين.
يا سادتي، مبادرة شباب الحارة 13 السبيل ملحمة إنسانية تستحق أن تُدرس، حيث خلال اليومين الماضيين أتى محجوب، شقيق الفقيدين محمد وأحمد، ليتفقد منزلهم القديم، ليتفاجأ به تمت صيانته على أفضل ما كان، وهو الذي رآه بعد عودة الخرطوم عبارة عن (خرابة). وهو يعلم أن ليس واحدًا من أشقائه ولا أفراد الأسرة فكر في إعادة ترميم هذا المنزل ليس لعدم إمكانية أو غير ذلك لكنه الحاجز النفسي وهذا المنزل الذي شهد اكبر كارثة في حياتهم ، لكنه علم بأن شباب الحارة تحركوا في مبادرة سرية، وجمعوا مبلغًا حوالي 30 مليون، أي مليار جنيه سوداني ، وأعادوا ترميم المنزل وصيانة الكهرباء والمياه للمنزل، وهم يستعدون للذهاب للحاجة سعدية في المنزل الذي تسكن فيه، ويقولوا لها: نحن كلنا أبناؤك، نحن كلنا محمد، نحن كلنا أحمد، نحن كلنا بيجو..
وهؤلاء الشباب طبقوا هذه العبارات عملًا قبل القول.. وأن هذا المنزل، منزل أسرة المرحوم عثمان حمدوبة، الذي كان مفتوحًا لهم جميعًا، أصبح معلمًا بارزًا في الحارة 13، ليس لتميزه في البنيان، بل لمواقف الرجال الذين عاشوا فيه.
والحمد لله الذي جعل من أهل هذا الحي من يحفظ فضائل الرجال ويأبى أن تندثر قيم الخير والترابط المجتمعي.. ونيابة عن هذه الأسرة نقول لهم: أنتم جبرتم خاطر هذه الأسرة، ليس في قيمتها المادية، بل في قيمتها المعنوية، ولم تنسوا من كان بالأمس معكم في الصفوف الأمامية يدافع عن أهل الحي وأعراضهم، ولم تنسوا من قدم من أعمال الخير، ولم تنسوا من شارككم ألعاب الطفولة والصبا، حقًا «لا يعرف الفضل إلا أهل الفضل».
«فإذا أكرمت الكريم ملكته، وإذا أكرمت اللئيم تمرد».
فأنتم أكرمتم هذه الأسرة بهذه المبادرة، ولكن في الحقيقة أكرمتم جميع أهل السودان، وزرعتم فيهم الأمل بعد أن دب في نفوسنا ونفوس أهل السودان جميعًا الياس بأن الحرب أخرجت أسوأ ما فيها.. حيث هنالك من نهبَّ جاره، وهنالك من تسبب في قتل جاره.. لكن ها نحن الآن نستعيد بكم أجمل ما فينا، وأنتم من يكرم جاره ويحفظ وداده ويتمسك بوصاله.
فلكم منا ومن هذه الأسرة الشكر أجزلَه، والدعاء أصدقه، وأن يديم عليكم نعمة الإنسانية، ويحفظكم ويحفظ أسركم وجميع من تحبون، ونسأل الله أن يرد لنا أحمد «بيجو» صحيحًا معافى، ويرحم محمد رحمة واسعة ، وهو ولي ذلك والقادر عليه ، لتحتفلوا ببطولته في هذا المنزل المبارك، بإذن الله الواحد الأحد.
عليه، أقول لكم: (أعرشوا على كدا)، ولا أقصد سقف الحوائط، ولا ترميم المنزل أو قيمته المادية، بل رسالتكم المعنوية بلغت في نفوسنا ونفوس كل أفراد هذه الأسرة شأنًا كبيرًا، وهذه الرسالة تضمنت كل المعاني التي تعبر عن معدنكم الأصيل.
والرسالة الأهم: عبّرت هذه الرسالة عن كيف يفكر هذا الجيل، الذي لن يأكل من قبله كتف مجتمعنا السوداني الأصيل..
دمتم بألف خير وتقدم، و(أعرشوا على كدا)!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى