مقال

محمد كندشة .. يكتب .. الجامعة الوطنية .. تطبيق اللوائح، فظاظة الموظف، ومحاولات المزايدة الدينية العاطفية !

أثارت واقعة حدثت مؤخراً في الجامعة الوطنية شرق الخرطوم جدلاً واسعاً تجاوز أسوار الحرم الجامعي ليصل إلى منصات التواصل

 

 

 

أثارت واقعة حدثت مؤخراً في الجامعة الوطنية شرق الخرطوم جدلاً واسعاً تجاوز أسوار الحرم الجامعي ليصل إلى منصات التواصل الاجتماعي والإعلام. فقد ذهبت إحدى الطالبات لإنهاء بعض الإجراءات، فقوبلت من موظف الاستقبال بالرفض وبأسلوب غير لائق، قبل أن يتم الاستماع لتفاصيل طلبها. واكتفى الموظف بالإشارة إلى أن زيها لا يتوافق مع لائحة الجامعة، وأن تغطية الوجه غير مسموح بها داخل الحرم الجامعي .
ولفهم أبعاد هذه الواقعة لا بد من إخراجها من دائرة الانفعال ووضعها في سياقها المؤسسي والأكاديمي، فالجامعة الوطنية لم تبتدع امراً جديداً في فرض ضوابط للزي والمظهر العام. فهي تمتلك لائحة معلنة في دليل القبول منذ سنوات، وهي لائحة شاملة لا تقف عند مسألة تغطية الوجه فحسب. إذ تمنع الجامعة اللبس المحزق والضيق والشاذ عن العرف الجامعي، كما تمنع المكياج الاوفر والإكسسوارات اللافتة، وحتى دبلة الزواج لا يسمح بها إلا بعد إبراز قسيمة الزواج.
قد يرى البعض في هذه التفاصيل مبالغة، لكن الهدف منها معلن وواضح. فالجامعة بيئة تعليمية تضم آلاف الطلاب من بيئات وخلفيات اجتماعية مختلفة، وتحتاج إلى معايير موحدة تحافظ على الطابع الأكاديمي، وتقلل من مظاهر الاستعراض والتمايز الطبقي والشكلي بين الطلاب. إلى جانب ذلك هناك أسباب أمنية وإدارية تتعلق بضرورة التعرف على هوية الطلاب في قاعات الامتحانات والمختبرات. وهذا النهج ليس خاصاً بالجامعة الوطنية، فهو معمول به في كثير من الجامعات السودانية والعالمية، فلكل مؤسسة هويتها ولوائحها التي يختار الطالب الالتحاق بها عن وعي وإرادة.
إذن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود اللائحة، بل في كيفية تطبيقها. فوجود ضوابط لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتم تنفيذها بفظاظة أو استعلاء. فدور موظف الاستقبال ليس دور الحارس الذي يمنع الدخول، بل هو دور المرشد الذي يوضح ويشرح ويقدم البدائل. من حق الطالب أن يعرف سبب الرفض، وأن يُعامل باحترام يليق بمؤسسة تعليمية. وعندما يتحول تطبيق اللائحة إلى رفض جاف وإغلاق للباب في وجه السائل، فإننا نكون قد انتقلنا من الانضباط المطلوب إلى سوء إدارة يسيء لسمعة الجامعة قبل أن يسيء للطالب.
والأخطر من ذلك هو ما حدث بعد الواقعة. فبدلاً من مناقشة المسألة في إطارها الإداري، تم اختطافها وتحويلها إلى سجال ديني. فسارع البعض لتفسير القرار على أنه حظر للحجاب والمساس بالدين، وهذا غير دقيق. فاللائحة تتحدث عن تغطية الوجه وتنظيم المظهر العام، وليس عن الحجاب كفريضة. وهذا الخلط المتعمد بين “لائحة مؤسية” و”ثابت ديني” هو ما يحول أي نقاش مهني إلى مزايدة عاطفية، ويصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية ويزيد من حالة الاحتقان، وهنا تبرز مسؤوليتان. الأولى على الطالب وأسرته، وهي مسؤولية الاختيار الواعي، فقبل التقديم لأي جامعة يجب الاطلاع على دليل القبول ولوائحه، فالالتحاق بمؤسسة يعني الالتزام بنظامها. والثانية على إدارة الجامعة، وهي مسؤولية مضاعفة: مسؤولية وضوح اللوائح وشفافيتها، ومسؤولية تدريب منسوبيها على تطبيقها بمهنية ولباقة تحفظ كرامة الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى