عبدالباقي جبارة .. يكتب : “فزع الحروف”.. لماذا يستهدفون أسامة داؤود ؟!


تابعتُ الحملة الشعواء ضد رجل الأعمال الناجح أسامة داؤود بسبب ظهوره الأخير، وهو يستقبله رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع كامل إدريس في بورتسودان . وقد حاولتُ التغاضي عنها، لأن الأصوات التي تقود هذه الحملة هي ذات الأصوات التي تُزيّن قبح هذه الحرب الكريهة، وتدفع في اتجاه اشتداد أوارها؛ لأنها تدرك أن استمرارها وحده هو ما يُبقيها في المشهد، إذ إن من يلغ في الدماء لا يستطيع أن يعيش في سلام.
وقبل أن نخوض في التفاصيل، فإن دوافع هذه الحملة مكشوفة، ولا تخرج عن الآتي: فهذه الأقلام تدين بالولاء لرجال أعمال تولوا عبء الصرف عليها طوال فترة هذه الحرب، وبالتالي فإن دخول لاعب محترف مثل أسامة داؤود في المشهد، في مواجهة أولياء نعمتهم، سيهدد بلا شك زوال تلك النعمة، ولذلك فإن التصدي له بالهجوم المبكر يصلح من باب الوفاء منهم.
أما الدافع الثاني، فهو الموقف المشرف لأسامة بانحيازه لإرادة الشعب ودعمه لاعتصام ثورة الشباب، وهو شرف تاريخي لدى الثوار، وفي الوقت نفسه أصبح مسألة ثأر لدى هذه الأقلام التي نشأت في ظل نظام الإنقاذ الذي صنعها، وبالتالي فإن محاولة النيل منه جزء من حنق النظام البائد على ثورة 19 ديسمبر، وكل من ارتبط اسمه بها.
لكن الدافع الأهم، وهذه لا يدركها إلا القليل من هذه الأقلام، يتمثل في أن حكومتهم المهترئة هي التي تحتاج إلى أسامة داؤود الآن، وليس العكس، ومقدمه يعتبر مقدمه مفتاح مخرج لهم وليس لأسامة داؤود ، خاصة وأن الوضع في السودان أصبح طاردًا للرأسمالية الوطنية أكثر من أي وقت مضى، والذين ما زالوا ظاهرين في المشهد من رجال أعمال هم مجرد طفيليين يقتاتون على ما تبقى من دماء الشعب السوداني، ويدركون أن الحفاظ على ما اكتسبوه مرهون باستمرار هذه الحرب، واستمرار هذه الحكومة بوضعها المختل هذا ، لأن أي تغيير نحو الأفضل سيضعهم أمام المساءلة القانونية، مثلهم مثل من أطلق الطلقة الأولى، وكل من ولغ في دماء شعبنا.
لكن إذا رجعنا إلى أسامة داؤود على المستوى الشخصي، فأنا لم ألتقِ به مباشرة طوال حياتي، وإنما رأيته في محافل عامة أو عبر وسائل الإعلام، خاصة أنه قليل الظهور فيما يتعلق بـ”الشو”. كما أنني لم أزر نادي الغولف التابع له، ولم أحضر أي مناسبة أقامها، حتى تلك التي خصص فيها جوائز للصحفيين.
وبالمناسبة، فإن تعامله مع الإعلام يتم بصورة حضارية للغاية، ودعمه له دعم مشروع عبر جوائز تشبه الجوائز العالمية.
ولكنني، كسوداني، فخور للغاية بتجربة أسامة داؤود، التي تجاوزت حدود العطاء الداخلي، وأصبح وجهًا مشرقًا للرأسمالية الوطنية، وقد يأتي – من حيث النزاهة – في المرتبة التي تلي رموز الرأسمالية الوطنية، مثل خليل عثمان، وبشير النفيدي، والشيخ مصطفى الأمين، وأبو العلا، وغيرهم، ولا نزكي على الله أحدا ، مع مراعاة اختلاف إيقاع الحياة وتطور أساليب التجارة.
ويأتي انبهاري بتجربة أسامة داؤود لعدة أسباب، منها اتجاهه إلى توظيف رأسماله في الصناعات المحلية والاستفادة من القيمة المضافة لمنتجاتنا. والنقطة الثانية اهتمامه بالجودة، التي جعلت منتجاتنا السودانية تضاهي المنتجات الأوروبية والخليجية في مستوى الجودة. والنقطة الثالثة أنه أدخل نظامًا مؤسسيًا في أعماله يضاهي المؤسسات العالمية. أما النقطة الرابعة، وهي الأهم، فتتمثل في اهتمامه بالعنصر البشري العامل معه، حيث إن العامل أو الموظف الذي يعمل لدى أسامة داؤود يمنحك إحساسًا بأنه شريك في المؤسسة، وليس مجرد أجير.
بل حتى الزبائن الذين يزورون ورش “دال” لمراجعة سياراتهم يحظون باحترام وكرم، وكأنهم زوار في منزله، حيث تُقدم لهم السندوتشات والمشروبات الباردة والساخنة. صحيح أنها قد لا تكون ذات قيمة مادية كبيرة، لكنها مؤشر على رجل يعرف كيف يعبر عن كرامة الإنسان.
موضوع الساعة الذي يدور الآن عبر هذه المقالات، التي تتحدث جهارًا أو همزًا ولمزًا عن أسامة داؤود، هو أن ثروته جاءت من خزينة حكومة الإنقاذ. وهنا أود الإدلاء بشهادة للتاريخ في حق أسامة داؤود.
فالنقطة الأولى تتعلق بموضوع احتكار الدقيق، إذ كان يستورد القمح ويحوّله إلى دقيق في مطاحن سيقا، مقابل تسهيلات من حكومة الإنقاذ، من بينها ضرائب رمزية، ودولار بأقل من قيمته لصالحه.
وبناءً على ذلك، كانت هناك حملة صحفية أشد ضراوة من هذه الحملة ضد أسامة داؤود. وحينها كنت رئيس قسم التحقيقات في صحيفة “الوطن”، وأقنعتني سردية الحملة لسببين: الأول، لماذا يحتكر أسامة داؤود الدقيق؟ فكلمة “احتكار” في حد ذاتها مستفزة، وكنت أتساءل بيني وبين نفسي: لماذا لا يكون له منافسون؟ أما السردية الثانية، فهي أن اسامة كان يستلم من الحكومة الدولار بأقل من قيمته الحقيقية مقابل الجنيه السوداني، وهذه النقطة تحديدًا كانت كثير من الأقلام تعتقد أنها سبب تضخم ثروة أسامة داؤود.
و(ركبنا الموجة)، فكنت أكتب ضد أسامة داؤود، بينما كان المرحوم يوسف سيد أحمد – رحمه الله – يكتب مشيدًا به. بل إنه نقل لي مرة أن أسامة داؤود سأله قائلًا: “إنتوا جريدتكم دي ضد ولا معاي؟”، فأجابه: “صحيح أن ملكية الجريدة تعود لأسرتنا، لكن سياستها التحريرية بيد الأقلام التي تكتب فيها، وكل قلم مسؤول عن قناعته”.
وبالفعل، هكذا كانت “الوطن” اسمًا ومعنى. والنماذج على ذلك كثيرة؛ فقد كانت بعض الأقلام تهاجم مأمون حميدة، بينما كان الفاتح محمد الأمين يدافع عنه في الجريدة نفسها. وكذلك عندما هاجمتُ الجريدة وزير المالية آنذاك علي محمود، كان الكاتب أبو بكر الزومة يدافع عنه في ذات الصحيفة. وهكذا كانت “الوطن”.
المهم، أن حملتنا ضد أسامة داؤود نجحت في فك احتكار الدقيق، وفتحت عطاءات الدقيق في البنك الزراعي. لكن المفاجأة، التي يتمنى كل قلم كانت نواياه خالصة أن يعتذر عنها أمام أسامة داؤود ألف مرة، وأنا واحد منهم، وأعتذر له الآن، وإن جاء الاعتذار متأخرًا.
فبعد قرار فك الاحتكار، وقع الاختيار على بعض الشركات للسماح لها باستيراد الدقيق، وبعد أيام قليلة تفاجأنا بأن إحدى الشركات – أظن أن اسمها “سيقاف” أو “سبكاف”، لا أذكر على وجه الدقة – كانت لديها كميات من الدقيق جاهزة للتوزيع، وشرعت مباشرة في توزيعه، فإذا بالدقيق يطلع عفن، إلى درجة يكاد يكون مختلطًا بمياه الصرف الصحي.
واندلعت احتجاجات شعبية ضد ذلك الدقيق، وبدلًا من سحبه من الأسواق، جاءت عبقرية الحكومة بخلطه بدقيق صالح. نعم، انتهت الكمية، وأكلها الشعب السوداني غصبًا عنه، والله وحده يعلم كم شخصًا أصيب بأمراض مزمنة أو قضى نحبه بسبب ذلك الدقيق.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يرَ ملف الدقيق عافية، لا في الجودة، ولا في كميات التوزيع، ولا في استقرار الأسعار. إنها لعنة الحسد والجشع.
وفي المقابل، لم تتوقف أعمال أسامة داؤود، ولم تتراجع، بل ظل يقدم، من حين إلى آخر، جديدًا في تطوير أعماله.
وشهادتي الثانية كانت بحضوري لقضية شهيرة في أحد المحاكم بالخرطوم كان طرفاها رجل أعمال معروف ووسيط يشتري له الدولار والذهب من السوق. وكان هذا الوسيط يعرف كل تفاصيل المضاربين في العملات، وكذلك رجال الأعمال الذين يستولون على الكتل النقدية للبنوك عبر مرابحات وهمية.
وقد كشف هذا الوسيط بالأسماء العمليات التي تمت، وأسماء البنوك، والأرقام الفلكية. وللحقيقة والتاريخ، سألت خصيصًا عن أسامة داؤود، فأكد الرجل بحزم أن أسامة ليس من بين الرأسماليين المضاربين في الدولار، كما أنه ليس من رجال الأعمال الذين يحصلون على مرابحات بأسماء أعمال وعمليات وهمية.
وهذه الحقائق مثبتة باعترافات أمام القضاء، ولا يستطيع أحد المزايدة عليها.
كما أن الشهادة التي يعلمها معظم الشعب السوداني، أن أسامة داؤود لم يكن مستجد نعمة، فهو رجل أعمال ابن رجل أعمال، لكنه امتلك عقلية واكبت عصر التطور، إلى درجة يمكن معها أن يكون مفتاحًا لإنقاذ الاقتصاد السوداني.
وهذه شهادة للتاريخ، وأتمنى أن يتحدث أسامة داؤود، لأن الصمت لم يكن حكمة في كل وقت، ولا زهدًا، فنحن جميعًا مسؤولون، إن لم يكن في الدنيا، فإن سؤال الآخرة ليس ببعيد.
ولا أبرئ نفسي، فالنفس أمارة بالسوء، وهذا جهدي فيما أعلم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالنيات، وهو الهادي إلى سواء السبيل.






