لماذا تخشى سلطة بورتسودان بعثات تقصي الحقائق؟ من دارفور إلى الأبيض… يتكرر النمط نفسه
على الرغم من اشتعال الميدان العسكري على جبهاتٍ تمتد من دارفور إلى كردفان وجنوب النيل الأزرق وتخوم أم درمان، تواصل الآلة الإعلامية لسلطة بورتسودان التركيز على حصار الأبيض ومعاناة

متابعات : طارق خاطر
على الرغم من اشتعال الميدان العسكري على جبهاتٍ تمتد من دارفور إلى كردفان وجنوب النيل الأزرق وتخوم أم درمان، تواصل الآلة الإعلامية لسلطة بورتسودان التركيز على حصار الأبيض ومعاناة إنسانها، في الوقت الذي ترفض فيه فتح ممرات آمنة للمدنيين المحاصرين. ويزداد المشهد التباساً حين تتدثر السلطة بخطاب السيادة الوطنية لتمنع المنظمات الدولية وآليات حقوق الإنسان من دخول مناطق النزاع لتقصي الحقائق، في مفارقةٍ تدعو “لهاء” الدهشة!!.
ومنذ اندلاع الحرب عام 2023، درجت سلطة بورتسودان على التعامل مع آليات التحقيق الدولية بوصفها خصماً سياسياً لا أداةً قانونية. ويتكرر المشهد نفسه في كل محطة: رفض إنشاء بعثة تقصي الحقائق، ثم رفض التعاون معها، ثم رفض تقاريرها، ثم رفض تمديد ولايتها. وهو نمطٌ يمكن تتبعه بسهولة في أرشيف الأمم المتحدة خلال العامين الماضيين، حيث وثّقت المنظمة في تقاريرها المتأخرة لعام 2024 أن السلطات السودانية امتنعت عن الرد على أكثر من 27 طلباً رسمياً للزيارة الميدانية.
السؤال الجوهري: لماذا الرفض المسبق؟ إذا كانت هذه البعثات منحازة كما تقول بورتسودان، فما الذي يمنع فتح الأبواب أمامها لتفنيد روايتها؟ ولماذا يكون الرفض سابقاً حتى لبدء التحقيق؟
الإجابة، في تقديري، لا تكمن في الخطاب الرسمي، وإنما في طبيعة هذه البعثات نفسها. فبعثات تقصي الحقائق لا تأتي لتسجيل انطباعات سياسية، وإنما لبناء ملف قانوني متكامل: تجمع الشهادات، توثق مواقع الجرائم، تحلل صور الأقمار الصناعية، تفحص المقاطع المصورة، تتحقق من سلاسل القيادة، وتحفظ الأدلة وفق معايير تجعلها صالحة للاستخدام أمام القضاء الوطني أو الدولي بعد سنوات طويلة.
وقد أثبتت التجربة الدولية خلال الأعوام الأخيرة أن أخطر ما تنتجه هذه البعثات ليس التقرير المنشور للرأي العام، وإنما الأرشيف القضائي الذي يبقى محفوظاً لعقود. فبعثة ميانمار لعام 2018 تحولت إلى أساس قانوني لإجراءات لاحقة في محكمة العدل الدولية عام 2022، وتقارير إثيوبيا حول تيغراي عام 2021 أصبحت مرجعاً للعقوبات الفردية التي صدرت في 2023، وتقارير دارفور المتأخرة لعام 2024 أعيد استخدامها في مداولات مجلس الأمن بشأن المساءلة.
ولهذا السبب تحديداً تخشى سلطة بورتسودان هذه البعثات، لأن منع التوثيق يصبح أقل كلفة من مواجهة نتائجه لاحقاً.
تقدم الآلة الإعلامية لبورتكيزان الحرب باعتبارها مواجهة بين الدولة وتمرد مسلح، وهي رواية تحاول ترسيخها في ذهن قطاعات واسعة من السودانيين. غير أن بعثات تقصي الحقائق لا تعمل وفق هذه الرواية، فهي تحقق مع الجميع وتخضع الجميع للمعيار نفسه، ما يعني أن أي انتهاك، أياً كان مرتكبه، يصبح محل مساءلة.
وهنا تتضح المعضلة. ففي الوقت الذي تدعو فيه حكومة تأسيس للسماح لهذه البعثات بالدخول إلى مناطق سيطرتها كما حدث في الفاشر، وتدعو المجتمع الدولي للوقوف على ما تخفيه سلطة بورتسودان من تضييق على المدنيين ومنعهم من الخروج من الأبيض لاستخدامهم كدروع بشرية، تستنفر سلطة بورتسودان إعلامها للحديث عن انتهاكات الدعم السريع وحصاره للمدينة، في محاولة لرسم صورة ذهنية عن وحشيةٍ ترفض هي نفسها وجود محايدٍ أممي للوقوف على حقيقتها.
فالتحقيق المستقل ينقل النقاش من أحيزة السياسة إلى حقل القانون، ومن الدعاية “الجلبزية” إلى الأدلة الدامغة.
أما الحجة المتعلقة بالسيادة الوطنية، فقد برهنت بورتسودان على هشاشتها بعد التدخل العسكري المصري في مناطق التعدين الأهلي شمال البلاد، وهو تدخل أدانته معظم القوى السياسية، في حين اكتفت السلطة بردودٍ خجولةٍ كشفت ضعف حجتها. كما أن السيادة في القانون الدولي ليست حصانة ضد المساءلة، ولا تمنع التحقيق في الجرائم الجسيمة إذا عجزت الدولة عن إجراء تحقيق مستقل وفعّال، أو امتنعت عنه.
وهذا هو جوهر الخلاف بين بورتسودان والأمم المتحدة: الأولى ترى أن قبول هذه البعثات يفتح الباب لتدويل الأزمة، بينما ترى الثانية أن غياب التحقيق المستقل يفتح الباب لإفلات الجناة من العقاب.
ما يُتداول بشأن مدينة الأبيض يثير أسئلة تتجاوز المدينة نفسها. فإذا كانت هناك مطالبات دولية بإرسال بعثة مستقلة للتحقيق في الانتهاكات، وإذا كانت بورتسودان ترفض ذلك، فإن الأمر لا يبدو حادثاً منفصلاً، وإنما استمراراً لنهج سياسي وقانوني استقر منذ سنوات.
ولا يعني هذا أن كل الاتهامات صحيحة، ولا أن كل الروايات دقيقة. غير أن أفضل وسيلة لنفي الاتهامات هي السماح بتحقيق مستقل. فالسلطة التي تثق في براءة قواتها لا تمنع المحققين، وإنما تمكّنهم من الوصول إلى الحقيقة.
والدرس الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في الذاكرة السودانية هو أن كل محاولة لحجب الحقيقة لم تمنع ظهورها، وإنما أخرتها فقط. فقد رُفضت بعثات دارفور، ثم خرجت التقارير. ورُفضت لجان التحقيق، ثم تراكمت الأدلة. ورُفض التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، لكن مذكرات التوقيف صدرت وبقيت سنوات طويلة، وتحولت إلى جزء من التاريخ السياسي للسودان.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: لماذا تريد الأمم المتحدة التحقيق؟ وإنما: لماذا تخشى بورتسودان أن يجري التحقيق أصلاً؟
ففي السياسة قد تصمد الرواية الأكثر ضجيجاً، أما في القانون فلا ينتصر إلا الدليل. والدول الواثقة من براءة مؤسساتها لا تخشى التحقيق المستقل، وإنما تطالب به، لأن الحقيقة حين تُكشف على أسس قانونية عادلة تكون أقوى من أي دعاية، وأبقى من أي خطاب سياسي.













