تقارير

من الوساطة إلى التأثير.. التحول النوعي للدور السعودي في السودان

تتزايد التكلفة السياسية والمقايضات المحيطة بالخيارات المتاحة أمام رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في سبيل تأمين مرحلة انتقالية مستقرة. إذ تشير المعطيات المتداولة إلى

 

 

 

متابعات : ترياق نيوز

 

 

 

    تتزايد التكلفة السياسية والمقايضات المحيطة بالخيارات المتاحة أمام رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في سبيل تأمين مرحلة انتقالية مستقرة. إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن رسم معالم المشهد السياسي المقبل في السودان، وصياغة شكل ومضمون أي حكومة “مدنية” قادمة، باتا يرتبطان بشكل وثيق بالتفاهمات الإقليمية والدولية، مما يثير تساؤلات حول مدى تعبير هذه الترتيبات عن الإرادة الوطنية الداخلية مقابل الإرادات الخارجية.
ولم تعد معادلة الاستقرار السياسي في السودان تُحسم في ساحات القتال وحدها، أو عبر موازين القوى العسكرية على الأرض. فمع دخول الصراع عامه الرابع، يظهر بوضوح أن مسار اكتساب الشرعية السياسية يمر عبر العواصم الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمتها الرياض، التي تنتقل تدريجياً من دور الوسيط الميسّر للحوار إلى دور الفاعل والمساهم في رسم ملامح السلطة السودانية في المرحلة المقبلة.
وفي إطار السعي للحصول على اعتراف دولي يدعم استقرار الدولة ويُنهي العزلة الإقليمية، تفرض الظروف الراهنة مرونة أكبر في القبول بأدوار مباشرة لأطراف خارجية، لا سيما الرياض، في تيسير اختيار وتركيب النخب المدنية التي ستتصدّر المشهد. هذه المعادلة تضع صانع القرار أمام تحديات هيكلية؛ حيث إن الشراكات الإقليمية في تشكيل الحكومات الانتقالية غالباً ما ترتبط بالتزامات وتوازنات مستقبلية لصالح الأطراف الراعية لهذه الترتيبات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التحركات الدبلوماسية السعودية التي تجري خلف الكواليس، والتي تشير إلى انخراط الرياض بصورة مباشرة في بلورة ترتيبات المرحلة الانتقالية. إذ لا تقتصر الرؤية السعودية على جهود وقف إطلاق النار الفوري فحسب، بل تمتد إلى المساهمة في بناء الإطار السياسي لما بعد الحرب، عبر دعم تشكيل حكومة مدنية تحظى باعتراف دولي، وتملك القدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بدبلوماسية تتجاوز لغة الصراع والعمليات العسكرية.
بناءً على هذه المعطيات، يرى محللون أن أي حكومة مدنية تُفرزها هذه الهندسة الإقليمية قد تواجه تحدياً في كسب شرعيتها من الشارع السوداني، الذي يتطلع إلى حكم مدني ناتج عن توافق وطني خالص. وبدلاً من ذلك، قد تبدو هذه الترتيبات في نظر البعض كصيغة توفيقية تهدف إلى تقديم غطاء مؤسسي يضمن استمرار نفوذ المكون العسكري بالتنسيق مع الحلفاء الإقليميين، مما قد يضعف المضمون الجوهري لمدنية الدولة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن القبول بهذه المقاربة التوفيقية يكرّس معادلة جديدة في السياسة السودانية، مفادها أن استقرار السلطة لم يعد مرتبطاً بشكل حصري بالتوافق الوطني الداخلي، بل بات مشروطاً بمدى التنسيق مع الأطراف الخارجية المساهمة في رسم ملامح الحكم، مقابل ما تقدمه تلك الأطراف من دعم سياسي ودبلوماسي يساعد في تثبيت أركان الدولة.
وتشير البيانات المتوفرة إلى أن التحرك الدبلوماسي للرياض يمضي في مسارين متوازيين: الأول يركز على الحفاظ على قنوات تنسيق وثيقة مع الفريق أول البرهان والمؤسسة العسكرية لضمان الاستقرار الأمني، والثاني يتجه نحو بناء جسور التواصل مع شخصيات وقوى مدنية سودانية تمتلك ثقلاً سياسياً واجتماعياً، بهدف إضفاء قدر أكبر من القبول والشرعية المحلية على أي ترتيبات سياسية مستقبلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى