عبدالباقي جبارة .. يكتب : “فزع الحروف”.. الاتحاد الأوروبي يطلق رصاصة الرحمة على الشعب السوداني !
ما لا شك فيه أن الشعب السوداني ظل يدفع فواتير الصراع حول السلطة والمال على مر الحقب المتعاقبة، وكانت العقوبات الدولية، على الدوام، ضحيتها المواطن البسيط. وخلال سنوات هذه الحرب تضاعفت

ما لا شك فيه أن الشعب السوداني ظل يدفع فواتير الصراع حول السلطة والمال على مر الحقب المتعاقبة، وكانت العقوبات الدولية، على الدوام، ضحيتها المواطن البسيط. وخلال سنوات هذه الحرب تضاعفت الفواتير التي يدفعها المواطن العادي، بينما لا تتأثر بها النخب الحاكمة أو أسرهم، بل قد يسوقون معاناة المواطنين البسطاء لتحقيق المزيد من المكاسب، وقد لا ينال المواطن البسيط منها إلا الفتات، أو لا شيء.
في هذه الأيام بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها، وأصبح من الصعب وصفها بالكلمات، كما بات من العسير تقديم إحصائيات دقيقة عن أعداد الضحايا الذين سقطوا، وكذلك الذين اقتربوا من السقوط.
في المقابل ظل المجتمع الدولي يرفع صوته في كل المنابر، ويصدر القرارات، ويلوح بإجراءات تهدف إلى دفع أطراف النزاع لإيقاف الحرب، وبالتالي إنهاء المعاناة الإنسانية، لكن النتائج على أرض الواقع ينطبق عليها المثل القائل: “أسمع جعجعة ولا أرى طحينًا.”
وآخر هذه التقليعات القرار الذي أصدره الاتحاد الأوروبي، والقاضي بحظر استيراد مدخلات إنتاج الذهب في السودان، ومنع تصدير الذهب السوداني، بحجة أن عائدات الذهب تُستخدم في تغذية الحرب. صحيح أن هذه العائدات تُستخدم في شراء الأسلحة، أو التدريب، أو تمويل إعلام الحرب، وغير ذلك، وهو بالفعل المورد الرئيس لتمويل الحرب.
لكن السؤال: من الذي أوحى أو أقنع الاتحاد الأوروبي بأن مثل هذا القرار سيكون له أثر على الحرب؟
والنقطة الأهم أن الاتحاد الأوروبي ليست له، أصلاً، تعاملات مباشرة مع السودان في تسويق الذهب أو منتجات استخلاصه. والنقطة الثانية أن نحو 90% من الذهب السوداني لا يُصدر عبر القنوات الرسمية، وبالتالي فإن الطرق نفسها التي يُهرَّب عبرها الذهب يمكن أن تُهرَّب عبرها مدخلات إنتاج الذهب إلى السودان، بل وربما بتسهيل من أطراف الحرب أنفسهم، سواء الحكومة في بورتسودان أو حكومة “تأسيس” الموازية التي تسيطر على حدود مفتوحة مع عدد من الدول.
إذن، لا أثر لهذا القرار على مجريات الحرب، كما ادعى الاتحاد الأوروبي.
لكن المتضرر الأول من هذا القرار هو الشعب السوداني في الداخل والخارج، لأن معظم أنشطته الاقتصادية توقفت بسبب هذه الحرب، ولم يبقَ مزدهرًا إلا نشاط واحد، وهو التعدين الأهلي، الذي يعتمد عليه آلاف الشباب والشيب في إعالة مئات الآلاف من الأسر داخل السودان وخارجه.
وهؤلاء سيتم استغلالهم من قبل المهربين والوسطاء، حيث ستتضاعف عليهم أسعار مدخلات الإنتاج، مثل السيانيد وغيره، كما سيتم شراء إنتاجهم بأسعار بخسة، وسيُظهر لهم التجار والمهربون أنفسهم وكأنهم زاهدون في الذهب السوداني لأنه أصبح خاضعًا لقرار الحظر الأوروبي.
كذلك ستنخفض قيمة الجنيه السوداني إلى أدنى مستوياتها، لأن الصادر الوحيد -على قلته- عبر القنوات الرسمية، والذي يحافظ على ما تبقى من قيمة الجنيه السوداني، هو الذهب. وهذا الأمر لن يستغرق وقتًا طويلًا، إذ سنجد خلال فترة وجيزة أن الدولار الأمريكي، والريال السعودي، وغيرهما من العملات، قد قفزت إلى أرقام فلكية.
وعليه، سيجوع المواطنون في الداخل بعد أن ينقطع عنهم الدخل الذي كان يصلهم من أبنائهم العاملين في التعدين الأهلي، إلى جانب الارتفاع المضاعف في أسعار السلع نتيجة زيادة التضخم وانخفاض قيمة الجنيه السوداني.
كما سيزداد جوع اللاجئين السودانيين، إضافة إلى ما يعانونه أصلًا، للسبب نفسه، فضلًا عن أن مفوضية شؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي قد خفضا أو أوقفا الدعم عن أكثر من 90% من اللاجئين، مع احتمال أن تتلاشى النسبة المتبقية خلال هذا الشهر أو الشهرين القادمين، بحسب الرسائل الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة.
إذن، فإن الاتحاد الأوروبي قد أطلق رصاصة الرحمة على معظم الشعب السوداني، وقراره بحظر الذهب قد يخلق طبقة جديدة من المهربين والمضاربين. وبما أن مهربي الذهب موجودون أصلًا، فسيظهر أيضًا مهربو السيانيد وغيره من مدخلات الإنتاج التي حظرها الاتحاد الأوروبي.
أما أطراف الحرب فلن يتأثروا بمثل هذه القرارات، ولا أسرهم، ولا المتعاونون معهم، لأنهم رتبوا أوضاعهم منذ وقت مبكر للتعامل مع هذا الواقع القذر، ولا يعبأون كثيرًا بما سيؤول إليه حال المواطن البسيط.
ويا الاتحاد الأوروبي، إن آليات إيقاف الحرب ورفع المعاناة عن الإنسان السوداني معروفة، ومجربة، وناجعة، فإلى متى تواصلون طعن ظل الفيل، بينما هو يسحق الشعب، وتسحقون معه إنسانيتكم؟!






