محمد مراد بدر منير .. يكتب .. السودان بين مطرقة السلاح وسندان المجاعة:* *مسؤولية تاريخية لوقف النزاع وإنقاذ الدولة من الانهيار !

يقف السودان اليوم أمام منعطف وجودي بالغ الخطورة، إذ لم تعد ارتدادات الصراع المسلح حبيسة ميادين المواجهات العسكرية، بل امتدت لتُفرز واقعاً مأساوياً يهدد البنية البشرية والمؤسسية للدولة برمتها. فبينما تتواصل العمليات الحربية، تكشف التحذيرات والمؤشرات الدولية المعنية بالأمن الغذائي عن فاجعة غير مسبوقة: نحو 19.5 مليون سوداني باتوا محاصرين في قبضة الجوع الحاد، في حين يواجه أكثر من 825 ألف طفل خطر الموت بسوء التغذية الحاد، ما يجعل البلاد على شفا واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث.
هذه الأرقام الصادمة ليست مجرد إحصاءات تتداولها التقارير، بل تعبّر عن انهيار كامل لمقومات الحياة الأساسية. إن الجوع الذي يفتك بالسودانيين اليوم ليس نتاج جفاف موسمي أو شحّ طبيعي في الموارد، بل هو نتيجة مباشرة لاستمرار الحرب وانهيار المنظومة الإنتاجية. لقد شُلّت مواسم الزراعة في بلد ظل تاريخياً يمتلك مقومات “سلة غذاء المنطقة”، وتضررت شبكات الإمداد ونُهبت صوامع الغلال، وتهاوت العملة الوطنية تحت وطأة تضخم جامح عطّل حركة الأسواق وأفقد ملايين الأسر قدرتهم على تدبير أبسط مقومات العيش اليومي.
إن هذا التآكل الاقتصادي المتسارع يعني أن الدولة توشك على الدخول في حالة اختلال هيكلي شامل يصعب ترميمه مستقبلاً. ومن منظور المسؤولية الوطنية والقانون الدولي الإنساني، فإن حماية المدنيين وصون المرافق الحيوية ليسا فقط التزاماً أخلاقياً حتمياً، بل ضرورة إستراتيجية لحفظ كيان السودان ووحدته وسيادته؛ إذ لن يكون هناك منتصر في صراع يخلّف أرضاً بلا مقومات وحكماً على شعب يعتصره الجوع.
وعليه، فإن درء هذا السقوط الكارثي يتطلب تحركاً شجاعاً وحاسماً يستند إلى الأولويات الآتية:-
*١.الإسكات الفوري لبنادق النزاع:*
حقناً لدماء المدنيين، وتغليباً للمصلحة الوطنية العليا، وتأسيساً لبيئة تفاوضية تقود إلى تسوية شاملة ومستدامة.
*٢. فتح وتأمين الممرات الإنسانية دون شروط:*
تيسيراً لوصول الوكالات الأممية والمنظمات الإغاثية إلى الفئات الأكثر هشاشة في كافة الولايات المتضررة، انطلاقاً من مبادئ اتفاقيات جنيف لحماية الضحايا وتأمين الغذاء والدواء.
*٣. إطلاق تدابير طوارئ لإنقاذ المنظومة الاقتصادية:*
تتركز على استعادة النشاط الزراعي الموسمي، وحماية البنى التحتية للمياه والكهرباء والخدمات النقدية، لمنع التفكك التام لسلاسل التموين.
*٤.توحيد المبادرات والجهود الإقليمية والدولية:*
ممارسة ضغط دبلوماسي بنّاء وفاعل، بعيداً عن تجزئة المسارات، لإلزام أطراف الصراع بالجلوس إلى طاولة الحوار برعاية مسؤولة ومحايدة.
إن التاريخ المعاصر يبرهن دوماً على أن الشعوب لا تبني سيادتها على أنقاض مجتمعات جائعة، وأن النزاعات الداخلية لا تحسمها فوهات المدافع بقدر ما يحسمها منطق الحكمة والمسؤولية السياسية. لقد دقت ساعة الحقيقة: إما خيار الدبلوماسية وصوت العقل لحفظ حق السودانيين في البقاء والكرامة، وإما مواصلة الحرب حتى تصمت البنادق ذات يوم على وطن خالٍ من الحياة.
محمد مراد بدر منير
الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦م












