محمد كندشة .. يكتب .. البروباغندا الرأسمالية.. كيف اغتالت بعض المدارس الخاصة عدالة الشهادة السودانية وتكافؤ الفرص وشيّعت المدارس الحكومية لمثواها الأخير

قبل الحرب بعام، كنتُ شاهداً على قصة نجاح الطالبة ريماز التي أحرزت 94.3% من مدرسة حكومية على أطراف أمدرمان، والطالب مؤيد عبدالرحمن من سكان حي غبوش بمايو، الذي أحرز 91.3% من مدرسة النهضة الثانوية بحي الإنقاذ جنوب الخرطوم.
تشابهت ظروف ريماز ومؤيد؛ فالاثنان لا تتوفر الكهرباء في منزليهما، بل إن ظروف مؤيد أصعب، فهو يسكن حياً عشوائياً، ويذهب إلى المدرسة في بعض الأحيان راجلاً، ويعمل في مخبز ببحري رفقة والده في عطلة نهاية الأسبوع.
الزملاء في إذاعة Pro 106.6 مشكورين سلّطوا الضوء على نجاح ريماز ومؤيد، وقد رافقتُ الأخير إلى الاستوديو بعد أن نشرتُ قصته ووجدت تفاعلاً كبيراً. ريماز وجدت منحة من جامعة خاصة ومولداً كهربائياً لمنزلها وتكفّلاً بكافة مصروفاتها الدراسية، بينما تم قبول مؤيد بكلية طب الأسنان بجامعة السودان.
اجتررتُ تلك الذكرى لأؤكد فكرتي حول البروباغندا الإعلامية التي صنعتها المدارس الخاصة حول الشهادة السودانية، والاستغلال الرأسمالي الجبان الذي حوّل مؤتمر إعلان نتيجة الشهادة من مؤتمر صحفي تُعلن فيه أسماء أوائل السودان من مدارس البحر الأحمر وكوستي والقضارف ودنقلا والخرطوم، ويفرح معه السودان من أقصاه إلى أدناه حيث كانت العدالة حاضرة والتنافس شريفاً.
أما في الآونة الأخيرة، فقد أصبح إعلان النتيجة عبارة عن فقرة إعلانية للمدارس الخاصة، لدرجة أن مدرسة واحدة حازت على خمسة مقاعد من العشرة الأوائل، وأكثر من أربعين مقعداً من المئة الأوائل. لو حدث هذا في دولة تحترم التعليم لتم استدعاء وزير التربية ومساءلته في البرلمان عن هذا الخلل، فالأمر لا يعدو كونه شهادة وفاة للتعليم الحكومي.
والأمر عندي ليس تقليلاً من جهد المدارس الخاصة واجتهادها كمؤسسات ربحية في تقديم خدمة مدفوعة القيمة، فقد ساعدت آلاف الطلاب على النجاح بتوفير بيئة مدرسية متميزة، ولكن الأمر تعدى فكرة المنافسة الشريفة إلى دعاية رخيصة حتى على حساب المدارس الحكومية، وبالتالي التأثير على نتائج أبناء شريحة مجتمعية لا سبيل لأبنائها سوى الذهاب إلى مدارس الحكومة.
أما ما يُتداول عن استدعاء الطالبة تُقى، أولى الشهادة السودانية، إلى الخرطوم ومقابلتها للبرهان، فهو ليس إلا تبادلاً للزخم الإعلامي بين مستشاري البرهان ومستشاري المدرسة الخاصة، كلٌ يغني على ليلاه.
يقيني أن نتيجة الشهادة السودانية غير عادلة، ولا تتوفر لها مقومات المنافسة الشريفة، وتغيب عنها المعايير التراكمية والمعايرة الحسابية والمعايير الأخلاقية، وهي تحتاج إلى إعادة نظر جذرية.
نتمنى في الأعوام القادمة أن يتساوى جميع طلاب السودان في الظروف التعليمية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.











