مقال

كـير مـجـوك تـونـق .. يكتب .. ” ده مـا كــلام ســاكـت…”.. إغلاق البعثات الدبلوماسية بالخارج أزمة قرار سياسي وسوء تقدير الجزء الثاني ( 2 )

 

 

 

 

سفارة طوكيو نموذجا حين تتحول الأزمة المالية إلى خسارة دبلوماسية

 

 

 

 

    إذا كانت أزمة البعثات الدبلوماسية في الخارج تمثل تحديا إداريا وماليا فإن وضع سفارة جمهورية جنوب السودان في طوكيو يقدم نموذجًا واضحا لما يمكن أن يحدث عندما تتراكم الالتزامات المالية دون معالجة في الوقت المناسب

فالسفارة وفق المعلومات تواجه منذ فترة طويلة مشكلة تتعلق بتراكم إيجارات مقرها وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الوضع إلى إغلاق البعثة أو اتخاذ إجراءات من جانب مالك

وقد تبدو قيمة الإيجار المتراكم رقما ماليا يمكن تسويته لكن السؤال الحقيقي هو كم ستكلف الدولة سياسيًا ودبلوماسيًا وسمعةً إذا أغلقت سفارتها في طوكيو؟

اليابان ليست دولة عادية في علاقات جنوب السودان الخارجية فمنذ استقلال جنوب السودان ظلت طوكيو من الشركاء المهمين في مجالات التنمية والمساعدات الإنسانية وبناء القدرات كما قدمت دعما عبر الوكالة اليابانية للتعاون الدولي “جايكا”وبرامج تدريب ومنح ومشروعات تنموية مختلفة

كما أن اليابان عرفت بدعمها للجنوب خلال الأزمات الإنسانية والكوارث وبمساهمتها في مشروعات مرتبطة بالبنية التحتية والتنمية فضلًا عن برامج تأهيل وتدريب الكوادر الجنوبية

لذلك فإن السماح بوصول سفارة جنوب السودان في طوكيو إلى مرحلة تهدد فيها بالإغلاق بسبب متأخرات مالية قد يبعث برسالة سلبية لا تتناسب مع طبيعة العلاقة بين البلدين

المسألة هنا ليست فقط الحفاظ على مبنى السفارة وإنما الحفاظ على صورة الدولة واحترامها لالتزاماتها أمام دولة شريكة

والأمر نفسه ينطبق على بعثات جنوب السودان في كمبالا ونيروبي وغيرها من العواصم حيث يجب التعامل مع الإيجارات والمرتبات والمصروفات التشغيلية باعتبارها التزامات سيادية وليست نفقات ثانوية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى

إن استمرار هذه الأوضاع قد يؤثر أيضا على المواطنين الجنوبيين في الخارج الذين يعتمدون على سفاراتهم في الوثائق والخدمات القنصلية كما قد يحد من قدرة الدولة على متابعة ملفاتها السياسية والاقتصادية والاستثمارية

ومن هنا فإن المطلوب ليس فقط دفع المتأخرات بصورة مؤقتة وإنما وضع نظام مالي مستدام للبعثات الدبلوماسية يضمن سداد الإيجارات والمرتبات والنفقات الأساسية في مواعيدها ويمنع تكرار الأزمة

كما ينبغي لوزارة الخارجية والجهات المالية المختصة إجراء تقييم شامل لكل بعثة وتحديد أهميتها الاستراتيجية وتقدير تكلفتها ثم وضع أولويات واضحة بعيدًا عن التدخلات الشخصية أو الحسابات السياسية الضيقة

جنوب السودان يحتاج اليوم إلى دبلوماسية أكثر كفاءة وإدارة أكثر انضباطا ورؤية واضحة لعلاقاته الخارجية فالسفارات ليست عبئا على الدولة بل أدوات لحماية مصالحها وتعزيز حضورها الدولي

والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى صانع القرار واضحة لا تنتظروا حتى تغلق السفارات لكي تتحركوا

إن تسوية المتأخرات المستحقة لسفارات جنوب السودان في طوكيو وكمبالا ونيروبي وغيرها ليست مجرد معالجة لمشكلة مالية بل خطوة لحماية سمعة الدولة وعلاقاتها الدولية

فالسياسة الخارجية تبدأ من احترام الدولة لالتزاماتها وقوة حضورها وقدرتها على حماية مصالح مواطنيها وشركائها

حفظ الله جنوب السودان ووفق قيادة الهيئة الدبلوماسية إلى ما فيه خير للوطن والمواطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى