مقال

محمد كندشة .. يكتب .. أردول يحجز مقعده في “جمهورية البرهان” القادمة بذاكرة انتقائية !

عاد مبارك أردول إلى الخرطوم فكتب: "وصلتُ الخرطوم فوجدتُها هادئةً وماطرةً وجميلةً كما عرفناها. ويزداد عدد العائدين إليها ساعة بعد ساعة. وهذه الصورة تختصر مرحلة مفصلية من تاريخ بلدنا، وهي لقائدين عامين للقوات المسلحة: الأول أسس الدعم السريع وقنّن

 

 

 

عاد مبارك أردول إلى الخرطوم فكتب: “وصلتُ الخرطوم فوجدتُها هادئةً وماطرةً وجميلةً كما عرفناها. ويزداد عدد العائدين إليها ساعة بعد ساعة. وهذه الصورة تختصر مرحلة مفصلية من تاريخ بلدنا، وهي لقائدين عامين للقوات المسلحة: الأول أسس الدعم السريع وقنّن وضعها، وهي القوة التي أخرجتنا من الخرطوم مع ملايين السودانيين. أما الثاني فقد هزم الدعم السريع وفكها واستعاد الخرطوم”.
يحمل خطاب أردول في ظاهره وصفاً للحظة تاريخية، وفي باطنه محاولة واضحة لإعادة توزيع المسؤولية، فهو يحمّل البشير وزر تأسيس الدعم السريع كاملاً، ويمنح البرهان صك البراءة تحت عنوان “الحسم والتحرير”. وهي قراءة انتقائية تتجاهل أن مسار الدعم السريع لم يصنعه فرد واحد، بل شارك في صناعته وتشريعه وتمكينه أكثر من طرف.
البشير هو من أسس نواة الدعم السريع في أغسطس 2013 من رحم حرس الحدود، وجعل مهمتها الأولى حرب الأطراف للتخلص من صداع التمرد. لكن الأخطر من التأسيس كان التشريع. ففي 18 يناير 2017 أجاز برلمان البشير “قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017” الذي نقل تبعية تلك القوات من جهاز الأمن إلى القوات المسلحة شكلياً، وجعل القائد الأعلى لها هو رئيس الجمهورية. وبهذا القانون منحها البشير غطاءً قانونياً وميزانية وسلاحاً، ووصف قرار إنشائها بأنه “أهم قرار اتخذه خلال 27 عاماً”. ولاحقاً أطلق البشير على قائد الدعم السريع “حمايتي” واستدعاه إلى القيادة العامة ليكون يده الباطشة في ظل ثورة حاصرت نظام الإنقاذ وأجهزت عليه لاحقاً. ولكن حميدتي كان يمتلك من الذكاء ما يكفي للانحياز إلى تيار الثورة، ليجد نفسه في موقع الرجل الثاني في الدولة خلف البرهان، ومن هنا بدأت إمبراطورية حميدتي.
أما البرهان فلم يأتِ ليفك هذا الكيان بعد سقوط البشير،على العكس، قام بتمكينه بصورة أكبر. ففي 30 يوليو 2019 أصدر بصفته رئيس المجلس العسكري الانتقالي مرسوماً دستورياً حذف بموجبه المادة الخامسة من قانون 2017، وهي المادة التي كانت تخضع قوات الدعم السريع لأحكام قانون القوات المسلحة. وبهذا الحذف تحولت القوات إلى كيان شبه مستقل قانوناً، وظل قائدها نائباً لرئيس المجلس العسكري ثم نائباً لرئيس مجلس السيادة لمدة أربع سنوات. وهذا التعديل هو الذي وسّع دائرة استقلاليتها ومنحها اقتصاداً وقيادة منفصلة، وجعلها دولة داخل الدولة.
ولم يظهر خطاب “التفكيك والحسم” إلا بعد اندلاع شرارة حرب أبريل وانقلاب هذه القوات على البرهان نفسه في 15 أبريل 2023. وحتى قرار الحل وإلغاء قانون 2017 لم يصدر إلا في 6 سبتمبر 2023، أي بعد خمسة أشهر من الحرب ودمار العاصمة ونزوح أكثر من 13 مليون سوداني، هنا يصبح سؤال الموقف السياسي لأردول مشروعاً. فالرجل الذي تدرج من الحركة الشعبية شمال إلى الحرية والتغيير إلى رئاسة الشركة السودانية للموارد المعدنية، لم يغب عن أي تحول سياسي في العصر الحديث. وحتى بعد المفاصلة مع عرمان انحاز إلى انقلاب البرهان وشكل مع رفاقه في الكتلة الديمقراطية حاضنة سياسية له. ومع اندلاع الحرب اختار صراحةً صف البرهان وفتح معسكرات لتجنيد منسوبي تنظيمه، قبل أن يعدل المسار لاحقاً ويقدم نفسه في خانة الاعتدال السياسي، ويبدي مرونة في التعاطي مع كتلة “صمود” ويحضر مؤتمرات دولية يشارك فيها معارضون لحكومة “الأمل” ومناوئون للجيش.
ما يفعله أردول اليوم هو محاولة للجمع بين أمرين متناقضين: تأكيد الولاء للبرهان باعتباره الحصان الرابح في مرحلة ما بعد الحرب، مع الإبقاء على “الباب موارباً” وجسور مع أطراف أخرى فاعلة في المشهد السياسي السوداني تحسباً لأي تحول قادم بمشاركته في مؤتمرات دولية الي جانب صمود ، أردول سجل اسمه مبكراً في دفتر حضور “جمهورية البرهان” التي سيخلع فيها البذلة العسكرية ويرتدي الزي المدني، وسينال حصته في منصب وزاري مرموق بأي حال من الأحوال.
خلاصة القول: محاولة أردول التي تندرج تحت باب “التذاكي السياسي” بتحميل البشير وحده المسؤولية وتبرئة البرهان بحجة الهزيمة العسكرية للدعم السريع وطرده من العاصمة هي تزوير للتاريخ. الحقيقة التي لا تحتمل جدلاً هي أن البشير أسس وشرّع، والبرهان عدّل القانون ومنح الاستقلالية وحمى الدعم السريع، ووقف في وجه الثوار الذين كانوا يرفعون شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” في إشارة إلى الدعم السريع الذي كان البرهان يقول في حضرته “الدعم السريع من رحم الجيش”. ثم عاد وحاربه عندما تمرد عليه وخرج عن طوعه. مما لا شك فيه أن البرهان والبشير استخدما الدعم السريع كأداة، وعندما خرجت تلك القوات عن “بيت الطاعة” وأضحت خارج السيطرة دفع الشعب السوداني الثمن دماً ودماراً ونزوحاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى