محمد بابكر .. يكتب : طائر (ألتي) .. سيد أحمد مصطفى يصنع الحدث وعدسة محمد حجازي تخلد التاريخ

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم الصور فالتاريخ لا تقتصر صناعته على من يحرزون الأهداف فوق المستطيل الأخضر فحسب بل يشاركهم فيها أولئك الذين يحملون أرواحهم على أكفهم وعدساتهم ليوثقوا اللحظة قبل أن تذروها رياح النسيان. ومن رحم الملاعب الشعبية العريقة في شمال ولاية الجزيرة حيث ينبض الشغف الخالص وتزهر المواهب بلا أضواء مزيفة تتكشف حكايات العطاء الحقيقي.
وهنا يلتقي سحر الموهبة الكروية الفذة والارتقاء الأسطوري الذي جسده طائر مدينة (ألتي) النجم سيد أحمد مصطفى بعبقرية التوثيق الاحترافي التي يترجمها المصور العريق محمد حجازي لنكون أمام ملحمة بصرية وثقافية متكاملة الأركان تستحق أن تروى للأجيال في عالم كرة القدم الحديث.
غالبا ما تقتصر الأضواء الكاشفة على ملاعب النخبة غير أن الحكايات الأكثر نقاء ولِدت دائما في البساطة ومن رحم الميادين الشعبية.
من قلب ولاية الجزيرة المعطاءة وتحديدا من مدينة (ألتي) العريقة بمحلية الكاملين سطع نجم اللاعب الشاب سيد أحمد مصطفى البالغ من العمر 21 عاما ليتصدر المشهد الرياضي ويتحول بين عشية وضحاها إلى حديث الشارع الرياضي محليا وعربيا وافريقيا.
لم يدرك اللاعب الفذ في صفوف نادي النهضة و منتخب (ألتي) بدوري الدرجة الأولى باتحاد الكاملين أن تلك اللقطة العفوية والحماسية في إحدى مبارياته المحلية ستتجاوز حدود الميدان البسيط لتغزو منصات التواصل الاجتماعي وتتحول إلى (ترند) واسع الانتشار.
فاللاعب الذي يمتلك موهبة فذة وبنية فطرية خادمة لإمكانياته ظهر في لقطة استثنائية محققا ارتقاء أسطوريا مذهلا تحدى به قوانين الجاذبية الأرضية ومذكرا المتابعين والنقاد بأعظم لقطات الأساطير العالمية في تاريخ الساحرة المستديرة.
هذا الإبداع الخالص لم يحصد فقط إعجاب جماهير مدينته بل اخترق الحواجز الجغرافية ليجتاح المنصات الرقمية العربية والافريقية بعد تتويج فريقه بكأس السوبر.
إن بروز لاعب بمثل هذه المواهب لم يأتِ من فراغ فالمناطق والقرى السودانية العريقة طالما كانت خزانا بشريا لا ينضب من الطاقات الخام.
لم يتدرب سيد أحمد المصطفى صاحب (الترند) في أكاديميات أوروبية بل صقل موهبته في ملاعب (ألتي) الترابية مستندا إلى فطرة كروية خالصة وعزيمة حديدية جعلته يطوع الكرة وينقض عليها بكل خفة ومرونة وكأنه خلق ليحلق في الهواء ليؤكد أن الشغف الحقيقي يتغلب دائما على التحديات والظروف المحيطة.
وحين يولد الإبداع في الملاعب الشعبية فانه يحتاج حتما إلى من يخرجه إلى النور ويحفظ تفاصيله من الضياع وهنا تبرز عبقرية المصور والاعلامي المتميز محمد حجازي واحد من القليلين جدا الذين يمتلكون الموهبة الفذة لصناعة قصة ومحتوى احترافي مميز يخطف الأنظار.
طالعنا حجازي من ملاعب (الشقلة) البسيطة حاملا كاميراته وعدسته لتجوب كل ركن من أركان المنطقة ناقلة النبض الحي والروح الحقيقية للمنافسات الشعبية. فمقاطعه لم تكن عابرة بل تحولت تدريجيا إلى (ترند) جارف حصد ملايين المشاهدات عم مختلف الصفحات والمنصات الرقمية على امتداد مساحة السودان الواسعة.
لقد كانت عدسته حاضرة بقوة في كبرى بطولات المنطقة وعلى رأسها دورة الفقيد الدكتور أبوذر الباقر بالمسعودية حيث لم تكن تغطي المباريات فحسب وانما كانت تنقل تفاصيل الشغف والهتافات وفرحة الجمهور وكأن المشاهد يقف بنفسه في قلب المدرجات. والجميل في مسيرة محمد حجازي أن إبداعه لم يتقوقع داخل الخطوط البيضاء بل امتد بسلاسة ليطال شرايين الحياة الاجتماعية والثقافية في أغلب مناطق شمال الجزيرة فوثق أفراح الأهالي وحفلات التخرج وعقد القران وكل المحطات التي تصنع ذاكرة المجتمع.
والأجمل من ذلك أنه في زمن يسعى فيه الجميع لفرض علاماتهم التجارية وحفظ حقوقهم (بالـلوغو) إلا أن محمد آثر أن يكون عمله الاحترافي وأسلوبه الفريد هو توقيعه الذي لا يخطئه العارفون فمقاطعه تعرف من الثانية الأولى لأنها ببساطة لا تشبه أحدا سواها.
وحين تتقاطع دروب الإبداع لابد أن تثمر عن مشاهد خالصة الجمال.
إن التوثيق الاحترافي الذي يقدمه محمد حجازي لمقاطع النجم الصاعد سيد أحمد مصطفى يمثل النموذج الأمثل لتكامل الأدوار. سيد أحمد بلياقته ومهاراته وارتقائه الذي تحدى الجاذبية وجد في عدسة محمد حجازي المرآة الصادقة التي نقلت إنجازه الرياضي من المحلية الضيقة إلى آفاق الانتشار الواسع نحو العالمية.
هذا التناغم بين لاعب يصنع المعجزة في الهواء ومصور يخلد اللحظة باحترافية بصرية يعكس القيمة الحقيقية للشباب السوداني حين تتوفر الإرادة والشغف الصادق. إننا حين نقف إجلالا وتقديرا لمثل هذه القامات فإننا لا نثني على أفراد فحسب وإنما نحتفي بروح أمة ترفض الانكسار وتصر على صناعة الفرح من رحم التحديات.
إلى محمد حجازي العقل الساطع والعدسة الأمينة التي وثقت أفراحنا وحفظت ذكرياتنا ورفعت سقف الإبداع عاليا في شمال الجزيرة شكرا لأنك جعلت لأحلامنا صوتا وصورة لا تمحى. وإلى الطائر سيد أحمد مصطفى الذي حلق باسم (ألتي) عاليا فقد حلقت في موطنك (التي) فوق السحاب كإنسان رياضي ينبض قلبه بحب هذا الوطن ويؤمن تماما بأن مجهوده قد أثمر. وما زالت عدسة محمد حجازي تحمل في طياتها الكثير لتؤكد أن الموهبة الحقيقية والإخلاص النادر لابد أن يطرقا أبواب العالمية عاجلا غير آجل لتفخر مدينة (ألتي) وكل مدن وقرى السودان المعطاءة بكونها ولادة للنجوم وصناع الأثر الخالدين.
وحين يرتفع سيد أحمد في سماء الميدان وتلتقطه عدسة محمد حجازي بكل إتقان لا نعود نرى مجرد لقطة رياضية عابرة بل نرى وطنا بأسره يرفض إلا أن يحلق عاليا رغم كل الجراح.
إن كانت الملاعب الشعبية في (ألتي) قد أنجبت طائراً يعانق السحاب بقدمين راسختين في تراب الوطن فإنها قد وجدت في عيون محمد حجازي الأمينة المرآة التي لا تكذب ولا تتجمل ليكتبا معا ملحمة إنسانية ورياضية تتجاوز حدود الجغرافيا.
فمن أرض الجزيرة الطاهرة ونبض شِرايينها الممتدة بعمق التاريخ يبرهن سيد أحمد مصطفى ومحمد حجازي أن الإبداع السوداني الأصيل لا يكسره واقع ولا تنال من عزيمته الظروف فهذا يحلق ليعلي راية (ألتي) في عنان السماء، وذاك يوثق المجد بعدسة تفيض عشقا وانتماءً لتراب هذا الوطن الأبي لتبقى (ألتي) والسودان دوماً ينابيع لا تجف تفرخ المعجزات وتصنع من رحم الجراح فرحا يزهر و أملا لا يموت.









