دكتور . محمد مراد .. يكتب .. عندما يصبح الوفاء استثناءً وتغدو الجريمة قاعدة !

حين تقاطع الوفاء مع قسوة الظروف تحمل قصة الأستاذ عبد الله وتلميذه التابع لعالم الجريمة أبعاداً إنسانية عميقة تفوق حدود الحكاية الفردية لتلامس جرحاً مجتمعياً غائراً. فبينما كانت عصابات اللصوص تفتك بحي بأكمله، بقي بيت الأستاذ القديم الملاذ الآمن الوحيد، لا لشيء سوى أن خيطاً خفياً من الوفاء والتقدير لجميل المعلم ظل حيّاً في قلب لصٍ تاهت خطاه في دروب الحياة.
تلك اللحظة الإنسانية التي جمعت المعلم بتلميذه داخل مركز الشرطة، وانتهت بتحول الشاب نحو الكسب الحلال بفرش الخضار في السوق، تقدم نموذجاً ساطعاً على قوة التربية وفاعلية الكلمة الطيبة. غير أن الوقوف عند حدود العبرة الأخلاقية وحدها يعد قراءة منقوصة لواقع معقد؛ فالقصة في جوهرها انعكاس صارخ لانهيار منظومة كاملة، وتساؤل مشروع حول مسؤولية الدولة وغياب مؤسساتها في دفع الشباب نحو أتون الجريمة.
تؤكد الواقعة المحورية أن الأثر التربوي الحقيقي لا يتبخر مهما طال الزمن أو اشتدت المحن. فالأستاذ عبد الله لم يكن يدرك أن مساعداته البسيطة ورسوم الدراسة التي كان يعفي منها ذلك التلميذ ستشكل يوماً درعاً حامياً لبيته وسط إعصار من السرقات.
)) تبقى جذور التربية العميقة التى غرسها المعلم قادرة على مسر قسوة الحرام، ليبقى بيت من علم وهذب خط لا ينتهك)).
هذا الجانب المضيء يبرز الدور العظيم للمؤسسات التربوية والمعلمين الأجلاء في بناء الضمير الإنساني. لكنه في نفس الوقت يضعنا أمام مفارقة مرة: ماذا حين يغيب المعلم وتنهار المدرسة وتختفي الدولة؟ هنا يتحول المجتمع إلى غابة، ويصبح البقاء رهناً للعلاقات الشخصية والوفاء الفردي بدلاً من سيادة القانون وحماية المؤسسات.
اقتصاد الحرب والبطالة: البيئة الحاضنة للجريمة
إن تبرير الشاب لجريمته بعبارة «دي الظروف والشيطان غشاني» يحيلنا مباشرة إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي المأساوي الذي يعيشه السودان في ظل الحرب الدائرة. إن النزوح القسري، وفقدان سبل العيش، وغياب فرص العمل، والتضخم المفرط، كلها عوامل حطمت الأمن المعيشي لملايين الأسر.
فقدان البدائل الاقتصادية:
عندما تغلق الدولة أبواب الرزق الشريف وتتخلى عن مسؤوليتها تجاه مواطنيها، تجد الشرائح الضعيفة والشباب أنفسهم محاصرين بخيارين أحلاهما مر: الجوع أو الجريمة.
سهولة انتشار السلاح وانعدام الأمن:
إن غياب الردع القانوني وضعف الأجهزة الأمنية في ظل ظروف الحرب يوفر مناخاً ملائماً لتفشي الجريمة المنظمة والسرقات.
تشجيع الجريمة بشكل غير مباشر:
عندما تعجز الحكومة في توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، فإنها بصورة أو بأخرى تساهم في دفع قطاعات واسعة من الشباب نحو مستنقع الانحراف بحثاً عن وسيلة للبقاء.
دور الدولة الغائب:
قراءة نقدية وموضوعية
إن معالجة ظاهرة الجريمة والسرقة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية البحتة أو الاعتماد على الوازع الديني والأخلاقي الفردي رغم أهميتهما القصوى. فالأصل في الدول هو حماية مواطنيها اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً.
غياب السياسات الاجتماعية:
تفتقر الدولة في أوقات الأزمات والحروب إلى شبكات الأمان الاجتماعي التي تحمي الأسر الفقيرة والنازحين من الوقوع في فخ العوز المطلق.
قصور العدالة الجنائية:
إن إصلاح المجرمين لا يتم فقط عبر الحراسات والسجون، بل عبر تأهيلهم ودمجهم اقتصادياً، وهو ما افتقده الشاب لولا مبادرته الشخصية وعزيمته الذاتية بعد موعظة أستاذه.
المسؤولية المباشرة للحكومات:
إن استمرار الصراعات وغياب الاستقرار الأمني والسياسي يمثلان السبب الرئيس والعميق لتفكك النسيج الاجتماعي وانحراف طاقات الشباب نحو التخريب والسرقة بدلاً من البناء والإنتاج.
واختتم إن قصة التلميذ التائب والأستاذ المعلم ليست مجرد رواية عاطفية، بل هي مرآة تعكس جلياً صراع البقاء بين أخلاق الأصالة وقسوة الظروف. لقد أثبت الشاب أن التوبة ممكنة وأن الضمير الحي قد يقاوم عواصف الفقر، لكنه في المقابل وجه اتهاماً صامتاً لنظام دولة أخفق في حماية شبابه وتأمين لقمة عسهم بالحلال.
إن استعادة الدولة لدورها الحقيقي تتطلب وقفة جادة لمعالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للجرائم، وخلق بيئة آمنة وعادلة تضمن للجميع عيشاً كريم، بحيث لا يضطر الإنسان لبيع عرقه في أسواق الخضار فحسب، بل يجد وطناً يحميه ويصون كرامته قبل أن تضطره ظروف الحرب إلى ارتياد سكة الظلام.
محمد مراد بدر منير.
الاثنين ١٢ أغسطس ٢٠٢٦م










