شول كير أضوم .. يكتب .. قراءة في كتاب القانون العرفي للدينكا في السودان دراسة مقارنة !

.

أعزائي القراء في كل مكان أحييكم وأتمنى لكم الخير والتوفيق. في هذا مقال سأستعرض بعض الأفكار ومحاور التي وردت في كتاب (القانون العرفي للدينكا في السودان دراسة مقارنة) مع ترك مساحة للقارئ للاطلاع مباشر على تفاصيل الكتاب والاستفادة من محتواه بصورة أوسع.
يعد هذا الكتاب من الدراسات المهمة التي تناولت طبيعة النظام القانوني التقليدي لدى مجتمع الدينكا وكيف تشكلت قواعده عبر الزمن من خلال العادات والتجارب والأحكام والمعتقدات.
(1) العرف كمصدر أصيل للقانون
من الأفكار الشائعة أن قانون الدينكا يقوم بالكامل على العرف وعادة المتوارثة أي على السلوك الذي تكرر داخل المجتمع عبر فترات طويلة حتى أصبح ملزما للأفراد. لكن الكتاب يوضح أن هذا التصور رغم قربه من الواقع ليس كاملا بصورة مطلقة.
القانون لدى الدينكا نشأ من عدة مصادر وإن ظل العرف هو الأساس الأكثر حضورا وتأثيرا. فالممارسة اليومية والتجارب المتراكمة داخل المجتمع لعبت دورا كبيرا في تكوين القواعد المنظمة للعلاقات الاجتماعية وتسوية النزاعات.
كما يشير الأستاذ صلاح القرشي بحسب ما ورد في الكتاب (إلى أن قوانين الدينكا لم تكن مدونة بصورة رسمية، ولذلك يصعب وضع نظام قانوني مكتوب يشرح كل القواعد بصورة دقيقة لأن أصل هذه القوانين مرتبط بالتجربة العملية وما استقر عليه الناس بما يتلاءم مع ظروف الحياة داخل القبيلة) ومن هنا نفهم أن القانون العرفي لم يظهر دفعة واحدة بل تشكل عبر زمن طويل وأصبح جزءا من البناء الاجتماعي.
(2) أحكام المحاكم ودورها في تطوير القانون
رغم وصف قانون الدينكا بأنه قانون عرفي إلا أن العرف لم يكن المصدر الوحيد. فقد لعبت الأحكام القضائية دورا واضحا في تطوير بعض القواعد القانونية وإعادة تفسيرها
وفي السابق، لم يكن هناك نظام رسمي لتدوين الأحكام كما هو معروف اليوم لكن القرارات القضائية كانت تحتفظ في ذاكرة الرؤساء والقضاة المحليين ثم تطبق لاحقا على القضايا المشابهة.
وقبل دخول النظم الإدارية الحديثة إلى السودان، كان الزعيم الروحي أو رئيس الرماح يجمع بين السلطة الدينية والإدارية والقضائية إلى جانب وجود مجالس ومحاكم خاصة تنظر في بعض النزاعات.
ومع تأسيس محاكم الرؤساء بموجب قانون سنة 1931 توسع تأثير الأحكام القضائية وبدأ نوع من تراكم القانوني يظهر بين مناطق مختلفة مما أدى إلى تطوير قواعد جديدة وتنظيم العلاقات بصورة أكثر استقرارا.
ومن الأمثلة التي أوردها الكتاب، تنظيم مسألة الأبقار المدفوعة كمهر وبعض الأحكام المتعلقة بالتعويضات في القضايا الأسرة إضافة إلى تطور مقدار التعويض في بعض القضايا من عشر أبقار إلى ثلاثين بقرة نتيجة لتغير الاجتهادات القضائية.
(3) أثر المعتقدات الدينية في تكوين القاعدة القانونية
يلفت الكتاب النظر إلى العلاقة الوثيقة بين المعتقدات الدينية والقانون داخل مجتمع الدينكا فبعض الأفعال مثل العلاقات المحرمة أو بعض المخالفات الأخلاقية كانت تنظر إليها ليس فقط كمخالفة اجتماعية بل كسبب للنجاسة أو الإخلال بالتوازن الروحي كما أن القرارات الصادرة من بعض الشخصيات التقليدية كانت تمنح مكانة خاصة باعتبار أن صاحب القرار يمثل سلطة روحية وأخلاقية داخل المجتمع الأمر الذي يمنح الحكم قوة إلإلزام والاحترام الواسع.
(4) المبادئ الأخلاقية كأساس للتشريع
القانون العرفي عند الدينكا لم ينفصل عن الأخلاق بل تأسس عليها في كثير من المواضع فالقواعد التي تمنع القتل أو الاعتداء على أموال الآخرين لم تأت من نصوص مكتوبة وإنما من منظومة أخلاقية ترى أن حماية الإنسان وممتلكاته ضرورة لاستقرار جماعة.
ومن هذا المنطلق فإن كثيرا من الأفعال التي أصبحت لاحقا جرائم في الإطار القانوني كانت في أصلها مخالفات أخلاقية رفضها المجتمع وحولها إلى قواعد ملزمة.
تكشف هذه الدراسة أن القانون العرفي لدى الدينكا مجرد مجموعة من العادات وكذلك نظام اجتماعي وقانوني متكامل تشكل من العرف والأحكام القضائية والمعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية وهذا ما يجعل دراسة مثل هذا الكتاب مهمة لفهم تطور النظم القانونية التقليدية في السودان ودورها في تنظيم المجتمع قبل ظهور أشكال تقنين حديثة.
يتبع …….
تأليف/ جون وول ماكيج
ترجمة/ هنري رياض وعمر محمد الطاهر.










