عمر الصاوي . . يكتب .. ما بين أردوغان والبرهان.. أين موقع السودان؟

أضحى السودان ساحة للصراعات الإقليمية على خلفية الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل 2023؛ مما أبقى جذوة الصراع مشتعلة لتودي بحياة مئات الآلاف، فضلًا عن التدمير الكامل للبنية التحتية والصناعية المتهالكة أصلًا.
وتبرز تركيا كلاعب إقليمي رئيسي قدّم دعمًا ملحوظًا ومباشرًا للجيش، وحاول إضفاء صبغة شرعية على نظام بورتسودان من خلال استقبال قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وعدد من كبار المسؤولين والوزراء في زيارات رسمية متكررة لأنقرة، كان آخرها زيارة رئيس هيئة أركان الجيش ياسر العطا.
وسرعان ما تحوّل الموقف التركي تدريجيًا من محاولات الوساطة الدبلوماسية المبدئية إلى انخراط استراتيجي وعسكري واضح إلى جانب الجيش، وتمظهر هذا الدعم في مسارين؛ عسكري وسياسي، بما يفتح أبواب التساؤلات حول طبيعة هذا الدعم والأهداف الخفية والمعلنة لتركيا التي تستضيف كبار قيادات الحركة الإسلامية، ومن بينهم مطلوبون للعدالة.
أمدّت شركات الدفاع التركية، وعلى رأسها شركة «بايكار» الصناعية، الجيش بطائرات مسيّرة متطورة من طراز «بيرقدار تي بي 2» (Bayraktar TB2) وذخائر دقيقة ومعدات عسكرية نوعية أسهمت في حفظ توازن الجيش خلال فترات حرجة من الحرب. بالطبع، فتركيا لا تحرّك أدوات قوتها الناعمة والصلبة في السودان بمعزل عن حسابات الأمن القومي والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية؛ إذ تختزل الاستراتيجية التركية في السودان في عدة أهداف كبرى.
تسعى تركيا لتأمين موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر، وتعزيز نفوذها البحري في حوض البحر الأحمر وخليج عدن – بما يكمل تواجدها في الصومال وقطر – وذلك لحماية خطوط تجارتها الدولية ومراقبة الممرات المائية الحيوية، وسط تنافس إقليمي ودولي محموم على عسكرة هذه المنطقة الحيوية.
كما تدرك الشركات التركية حجم الفرص الهائلة الكامنة في السوق السودانية لمرحلة ما بعد الحرب؛ فالسودان يمتلك ثروات زراعية ضخمة ومعادن استراتيجية، فضلًا عن حاجة بنيته التحتية المدمرة إلى مشاريع ضخمة لإعادة التأهيل والإعمار. وتطمح أنقرة لأن تكون الشريك التجاري والاستثماري الأبرز في صياغة مستقبل الاقتصاد السوداني عبر شركات المقاولات والطاقة والتعدين.
من المهم الإشارة إلى أن الأزمات الإقليمية في ليبيا وأذربيجان ومن ثم السودان شكّلت مسرحًا رئيسيًا لعرض كفاءة وفاعلية الصناعات الدفاعية التركية، وخاصة الطائرات المسيّرة. إن توفير السلاح للجيش لا يحقق مكاسب سياسية فحسب، بل يمثل أيضًا رافدًا اقتصاديًا وترويجيًا هائلًا لصناعات التكنولوجيا العسكرية التركية في القارة الإفريقية التي تسعى أنقرة لتعزيز نفوذها فيها.
كذلك، من المهم النظر إلى التحركات التركية لبناء تحالفات مع قوى إقليمية، خاصة فيما يتعلق بملفات أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم وصناعة أوراق جديدة في المنطقة، وربط ذلك بدورها في دعم الجيش. ومن المؤكد أن الدعم لم يكن بمفهومه المعتاد، بل عبر صفقات استفادت منها قيادات متنفذة.
إن تلاشي مؤسسات الدولة السودانية وتحكّم عصابات الحرب في المشهد أسهما في تكالب الطامعين، وجعلا السودان – باستمرارية حربه – ميدانًا للصراعات الدولية والإقليمية؛ وفي ذلك خطر مستطير يهدد وجود السودان في حال غياب إرادة السلام لحل الأزمة السودانية بشكل جذري.









