محمد مراد بدر .. يكتب .. جرس إنذار أخير: أزمة التعليم العالي السوداني بين تعنت الداخل، وجع الشتات، وقسوة القرارات

مقدمة:
حين تنطق القاعات بوجع البيوت خلف العناوين العريضة للبيانات الرسمية، وبعيداً عن لغة الأرقام والجداول الأكاديمية الصماء، تدور فصول مأساة إنسانية عميقة يعيشها الإنسان السوداني اليوم. فالتعليم العالي في السودان ليس مجرد قطاع خدمي يمكن إعادة هيكلته بقرارات إدارية متسرعة؛ بل هو الذاكرة الوطنية وعصب مستقبل الأجيال. وما جاء في بيان أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم — بعراقتها ورمزيتها التاريخية — بصوت إجماع بلغ 97% على رفض قيام الامتحانات في ظل بيئة كارثية ونقص حاد في الكادر الأكاديمي، ليس إلا جرس إنذار مدوٍ يكشف عن الانهيار المنهجي الذي يهدد ما تبقى من مؤسساتنا. هذا الموقف الحاسم لا يخص كلية الطب وحدها، بل هو انعكاس صارخ لواقع مرير تعاني منه كافة الجامعات السودانية، وهو ما يتقاطع مباشرة مع مأساة إنسانية أوسع تمزق أواصر الأسر وتترك الطلاب يواجهون مصائر مجهولة بين لهيب الداخل وضنك الشتات.
*الواقع المتردي بالجامعات:* قراءة في دلالات موقف أساتذة الخرطوم
*استحالة العملية التعليمية:*
عندما يقرر أساتذة بحجم ومكانة أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب اللجوء إلى الاستقالات الجماعية والتصعيد، فهذا يعني أن حبال الود قد قطعت، وأن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً أمام واقع معيشي وأمني منهار في الخرطوم.
*مؤشر خطير لكافة الجامعات:*
إن وضع كلية الطب بجامعة الخرطوم هو مرآة عاكسة لحال التعليم العالي السوداني برمته؛ فاستمرار تجاهل مطالب الأساتذة وعدم توفير أبسط مقومات العملية الأكاديمية ينذر بكارثة حقيقية تمس جيل الخريجين بأكمله.
*مسؤولية الجهات الرسمية:*
إن انتقال الأساتذة من مرحلة “المطالبة” إلى مرحلة “الفعل والتنفيذ” يضع وزارة التعليم العالي ومجلس الوزراء والجهات السيادية أمام مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية كاملة، بعيداً عن سياسة الوعود الوفيرة والحلول الوهمية.
*الشتات الأسري:*
رحلة المعاناة بين مغامرة العودة وقسوة البعد لم تكن الحرب الدائرة مجرد أصوات رصاص، بل كانت زلزالاً ضرب الكيان الأسري السوداني في عمقه، وتضاعفت أوجاعه بقرارات حكومية غاب عنها البعد الإنساني:
*مغامرة العودة المرة:*
فضلت أسر بأكملها تجرّع مرارة العودة إلى أرض الوطن بكل ما تحمله من مخاطر ونقص حاد في الخدمات، ضاغطةً على جراحها وقابلةً بكل أشكال المعاناة، فقط من أجل فرد واحد من العائلة (طالب جامعي يسعى لمواصلة تعليمه)، ليصطدم الجميع في النهاية بجدار الواقع المتردي وتأجيل الامتحانات إلى أجل غير مسمى.
*ثمن الفراق والخوف في الشتات:*
وفي المقابل، اضطرت أسر أخرى مقيمة في الخارج — ولا سيما في المملكة العربية السعودية ومصر حيث توافرت سابقاً بيئات آمنة — إلى اتخاذ قرارات قاسية؛ فقبلت التحدي والمغامرة بترك أبنائها وبناتها وحددهم في دول المهجر يواجهون مصيرهم. يعيش هؤلاء الشباب تحت وطأة القلق اليومي، بينما يكتوي الآباء بنار الأرق والخوف المستمر، متحملين تكاليف معيشية قاسية تفوق طاقاتهم، فقط ليضمنوا لأبنائهم بصيغة أمل ضئيلة في التعليم.
قرار إغلاق المراكز الخارجية: ضربة قاصمة وانكسار نفسي للطلاب.
تتعاقب الأزمات حين يتسق هذا الانهيار بالداخل مع قرارات فوقية اتسمت بالاستعجال والارتجالية، وفي مقدمتها قرار إغلاق المراكز الخارجية للجامعات السودانية:
*قطع طريق النجاة:*
لقد شكّلت تلك المراكز في دول الجوار طوق نجاة حقيقي وملاذاً آمناً مكن آلاف الطلاب من مواصلة تحصيلهم الأكاديمي رغم أهوال الحرب. فجاء قرار الإغلاق الفجائي ليوجه ضربة قاضية تحرم الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم.
*الاستسلام للضياع واليأس:*
لقد وصل الأمر ببعض الطلاب إلى حد الاستسلام الكامل؛ فمنهم من آثر الابتعاد نهائياً عن إكمال جامعته وتفضيل ترك الدراسة، حتى وإن كان في السمستر الأخير لتخرجه. تخيل حجم الغبن النفسي لشاب ضحى بسنوات عمره، وسهر الليالي، وصبر أهله، ليجد نفسه على عتبة التخرج فجأةً في مهب الريح بلا شهادة وبلا مستقبل.
*خاتمة ونداء عاجل:* (الإنسان أولاً)
إن صرخة أساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم، ومعاناة الأسر المشتتة بين لهيب الداخل وألم الشتات، تضعان الجميع أمام محك أخلاقي وتاريخي. إن إنقاذ طالب واحد من الضياع هو إنقاذ لأسرة بأكملها من الانهيار النفسي والمعنوي.
لذا، فإن صرخات أولياء الأمور تطالب بالتراجع الفوري عن قرارات إغلاق المراكز الخارجية، واستمرارها وتوسيع نطاقها كبديل استراتيجي آمن، حتى يتم إعادة تأهيل وتوفير البيئة الآمنة للجامعات السودانية في الخرطوم بشقيها الحكومي والخاص. التعليم ليس ترفاً، ومستقبل الأجيال ليس حقل تجارب؛ فهل من مسؤول يملك الشجاعة ليضع الإنسان أولاً قبل أن ينهار الصرح بالكامل؟
محمد مراد بدر منير
الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦م











